المنتدى الوطني للتنمية المستدامة.. تفاؤل وتساؤل؟.."2 – 2"

23-6-2026 | 13:48

“الحفاظ على القدرات العلمية والبحثية الوطنية وتعزيزها، واستمرارية البرامج البحثية الجارية، والخدمات المقدمة للمزارعين والمنتجين الزراعيين، ليتعارض مع عملية تطوير أو تحديث للبنية المؤسسية للبحث العلمي الزراعي، الذي هو ركيزة أساسية للأمن الغذائي والتنمية الزراعية المستدامة"..

هذه الفقرة كانت أحد أهم توصيات "الدورة الثانية عشرة للمنتدى الوطني للتنمية المستدامة"، الذي عقد بالقاهرة أوائل الشهر الحالي، حول ما يثار لنقل "مركز البحوث الزراعية"، من مقره الحالي بالجيزة، وعزله، بأجهزته ومعامله وعلمائه وباحثيه "30 ألف باحث" إلى صحراء دهشور.

مؤكد أن متخذ هذا القرار، لديه اليقين بأن مصر، باعتبارها مهد الزراعة المنظمة عالمياً، والمبتكرةً لأنظمة الري المتطورة، وهي مصدر أول تقويم زراعي دقيق، فضلا عن تعليمها للعالم أسس الزراعة، وإدارة الفيضانات، وتخزين المحاصيل، فهي بما حققته من إنجازات للكوكب وساكنيه، تستطيع، أن تنشئ مركزًا جديدًا في الصحراء الجديدة، خلال وقتٍ قياسي.. هكذا التصور الأقرب للمنطق الواقعي لقرار نقل المركز..

نعم قد يكون واردًا مثل هذا التصور، إلا أن ما يستغرقه وقت إقامة المركز الجديد من وقت لرسم وإعداد التصور العلمي والهندسي والطبوغرافي، وعمليات الإنشاء والتجهيز للمركز المقترح، والتساؤل هو: "هل لدينا ترف إهدار الوقت لإنشاء هذا المركز الجديد، في الوقت الذي نسعى خلاله لاستثمار هذا الوقت لاستمرار التنافسية والسبق في عالم رقمي لا ينتظر أحدًا.

لن نضيف جديدًا حول ريادة القدماء المصريين في الزراعة، فقد ابتكروا طرقًا للتحكم في مياه النيل ونقلها، وهو ما يعد ركيزة أساسية في تاريخ الزراعة، وتنظيم العمل، حيث كانت مصر أول دولة تنظم الزراعة بناءً على مواعيد محددة ووضعوا أساس التقويم الزراعي، فضلا عن تنوع المحاصيل، فقد زرعوا محاصيل أساسية مثل القمح والشعير "للغذاء" والكتان والبردي "للصناعة"، إضافة إلى التوثيق والبحث، حيث نقلت صور القدماء عمليات الحرث والري والحصاد على جدران معابدهم، وبناء تقويم زراعي دقيق، فقد كانت مصر أول دولة تنظم الزراعة، ووضعت توقيتات للزراعة تناسب المحاصيل وتغيرات الطقس.

وبالرغم مما ذكره، أحد الباحثين من جامعة الإسكندرية، حول تجربة نقل مركز البحوث الزراعية بالإسكندرية، إلى منطقة أبيس لإقامة جامعة الإسكندرية الأهلية على مساحة 560 فدانًا عام 2022، إلا أن الأمل كان، ومازال، يراود المشاركين بالمنتدى، ولعل هناك من يحمل آمالاً أو وعودًا سارة لأهل مركز البحوث الزراعية والمجتمع العلمي في مصر، خاصة أن قرار تنفيذ النقل لم ينفذ أو يفعل بعد، فمازال هناك أمل ورجاء ينتظره الوطن وأبناؤه.

من بين المبادرات التي شهدها المنتدى، وهي مهمة في شمولها وأهميتها باعتبارها صادرة من خبراء متخصصين، كانت المبادرة المقترحة إنشاء "وحدة" أو "منصة رقمية" لنهر النيل، من منطلق أن "النيل" بمياهه وحوضه، بضفتيه ومجراه، بتاريخه وتضاريسه، بناسه وحراسه، يستحق أن ننشأ له "منصة معرفية إعلامية رقمية"، تليق بنعمة النيل وموارده التي مازالت تمنح لنا الروح عبر قطرات تتدفق سحرًا وحياة ونماء. 

فقد عرض المنتدى، اقتراحًا بإنشاء “وحدة”، أو "مرصد"، أو "بنك معلومات" أو "منصة"، أهلية، بمساندة رسمية، تشكل بمثابة قاعدة أخبار ومعلومات تحليلية تقدم يوميًا تقريبًا، إحاطة معرفية خبرية عن حال النهر وأحواله، عن أمن مياهه ومصادر أمان ضفتيه، هي بمثابة إحاطة “Briefing” يستفيد منها الخبراء والمجتمع المدني ومتخذو القرار، تعزز الإلهام نحو الرأي العام الوطني، وهو اقتراح يحوي رصدًا لحال النهر ومنسوب المد والجذر، والمشروعات المقامة عليه، والمشروعات المتوقعة، ومدى تأثر المشروعات المقامة عليه وحالها، في صورة بنكٍ للمعلومات عن كل ما يحدث قريبًا منه أو بعيدًا عنه، والمؤثرات المباشرة وغير المباشرة الآنية والمستقبلية، لتشكل، هذه المبادرة، نسيجًا مترابطًا لكيانات المجتمع المدني في مصر ونظيرتها في دول الحوض.

الدافع لتلك المبادرة هو اتجاه الدولة العام وإستراتيجيتها نحو التحول الرقمي، وفي الصدارة "الإدارة الرقمية لموارد المياه"، وخاصة نهر النيل، إضافة إلى "الزراعة الذكية"، وكلاهما يتمثل في دمج التقنيات الحديثة مثل تطبيقات شبكة المعلومات الدولية "الإنترنت"، والذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيرة "الدرون" في إدارة المزارع، وزيادة الإنتاجية، وترشيد الموارد، حيث تتيح هذه التقنيات الرقمية اتخاذ قرارات دقيقة بناءً على البيانات، مما يعزز الاستدامة، كما يقلل ميزانيات التمويل في الطاقة والجهد والتكلفة، فضلاً عن تطبيق مبدأ الحوكمة "Governance".

أهل الاستدامة وعلمائها وخبراء التنمية، في نهاية فعاليات المنتدى، يتمسكون بتفاؤل العقل، حيث يتوقعون أن يحمل ما تردد من حوارات حول المركز الحالي، الكثير من الفوائد، مثل إعادة تنشيط مجتمع المركز العلمي، وابتكار وسائل أكثر تطورًا لعمل باحثيه، والبحث عن كل ما هو جديد في المنطقة والعالم لتطبيقه بما يتناسب والبيئة المصرية، فضلاً عن تجديد الأجهزة والمعامل والمختبرات، وتظل مسألة زيادة التمويل لميزانية البحث امرًا له الأولوية، لتستمر إسهامات مصر "العلمية الزراعية" في مكانها ومكانتها المرجوة.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: