حكايات علمية (2).. العملية التي غيّرت تاريخ الطب

22-6-2026 | 14:35

    في السادس عشر من أكتوبر عام 1846، تجمع عشرات الأطباء وطلاب الطب في القاعة الجراحية بمستشفى ماساتشوستس العام في بوسطن بالولايات المتحدة، لمشاهدة عملية جراحية.  لم يكن ذلك غريبًا في حد ذاته. الغريب هو ما حدث بعدها: بكى كثيرون منهم.

    قبل ذلك اليوم، كانت الجراحة تعني شيئًا واحدًا لا غير "الألم ثم الألم". كان الجراحون يُقاسون بسرعتهم، لا بدقتهم. الجراح الماهر هو من ينهي البتر في أقل من دقيقتين قبل أن يُغمى على المريض من الصراخ والصدمة. كان المرضى يُربطون بالحبال إلى طاولة العملية، ويصرخون ويتلوون، وكثيرًا ما كانوا يموتون من الصدمة قبل أن تنتهي العملية.
 
    لكن في ذلك الصباح، طلب طبيب الأسنان ويليام مورتون من الحضور الانتظار لحظة قبل البدء. أمسك بكرة زجاجية تحتوي على بخار مادة كيميائية اسمها "الإيثر"، وطلب من المريض الشاب جيلبرت أبوت أن يستنشقها؛ بعد دقائق، نام المريض نومًا عميقًا.

     أجرى الجراح جون وارن عمليته في صمت تام، لم يصرخ المريض، لم يتحرك، لم يتألم. وحين استيقظ بعد العملية وسُئل إن كان قد شعر بشيء، قال ببساطة: "شعرت بشيء كخدش صغير."

     صمت الحاضرون لحظة، ثم اندلع التصفيق. بكى بعضهم. وقال الجراح وارن جملته الشهيرة التي سجلها التاريخ: "أيها السادة، هذا ليس هراء".

      لكن القصة لها وجه آخر أقل بهجة. كان ثمة طبيب أسنان آخر اسمه هوراس ويلز قد اكتشف تخديرًا بغاز النيتروس أوكسايد قبل طبيب الأسنان ويليام، وأجرى التجربة على نفسه أولا. لكن تجربته العلنية في هارفارد فشلت حين لم يتم تخدير المريض بالكمية الكافية، فأطلق الحضور عليه عبارات السخرية وطردوه من القاعة.    

       انهار ويلز نفسيًا، وانتهى به الأمر في السجن ثم مات منتحرًا، لكن الجمعية الطبية الأمريكية اعترفت لاحقًا بأنه المكتشف الحقيقي للتخدير، لكن الاعتراف جاء بعد موته!

    اليوم، يُجرى في العالم أكثر من 300 مليون عملية جراحية سنويًا تحت التخدير. وما كان يُعد معجزة عام 1846 بات أمرًا مسلمًا به؛ لدرجة أن المريض يدخل غرفة العمليات وهو يمزح مع الممرضة وطبيب التخدير..

   لقد كان ذلك اليوم واحدًا من اللحظات النادرة التي انتصر فيها العلم على الألم، وفتح بابًا جديدًا أنقذ حياة مليارات البشر وخفف معاناة لا تُحصى. 

إنه يذكرنا بأن الطب لم يكن دائمًا رحيمًا، وأن خلف كل حقنة تخدير نأخذها اليوم صرخات مرضى قدامى، ودموع أطباء، وحياة علماء ضاعت في سبيل هذا الاكتشاف.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة