اعتادت منطقة الشرق الأوسط أن تنام على أصوات التهديدات، وتستيقظ على وقع الأزمات، ولم يزل هذا الحال قائمًا منذ زمن طويل، يمتد إلى ما بعد الجرح الغائر الذي لم يندمل بالأراضي الفلسطينية، وصولًا إلى الأزمات المتلاحقة التي خلفتها الحرب الأمريكية الإيرانية الأخيرة، والتي سبقتها حروب ومناوشات، جعلت من المنطقة ساحة للقلاقل المؤرقة لدول الشرق وللعالم كله.
لذا ربما جاء الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران ليحمل معه بصيص أملٍ طال انتظاره، ليس فقط للطرفين المباشرين، وإنما للمنطقة بأسرها، لذا فإن الأحاديث المتداولة عبر الجانبين عمن انتصر ومن خسر في هذه المواجهات، حديث ليس مجديًا بالمرة، لأن ما يعني الشعوب في الأرض وفي الشرق أن المنطقة هي التي حققت مكاسب بطريقٍ عكسية، أي بوقف نزيف الخسائر الأمنية والاقتصادية، والأثمان الباهظة التي دفعتها من أمنها واستقرارها نتيجة التوترات المتراكمة والصراعات المفتوحة.
وعلى الرغم من أن هذا الاتفاق يُعد خطوة مهمة نحو خفض التصعيد أو وقفه حتى، فإن قيمته الحقيقية لا تكمن في لحظة التوقيع أو إعلان التفاهم، بل في اليوم التالي له؛ أي في القدرة على الحفاظ على المكتسبات السياسية والأمنية التي تحققت، ومنع العودة مجددًا إلى دائرة الشكوك المتبادلة وسياسات حافة الهاوية التي كادت تدفع المنطقة إلى مواجهة واسعة النطاق لا رابح فيها، ومن هنا نفهم ما جاء في تهنئة الرئيس السيسي بالاتفاقية، في أنه يأمل "أن تشكل هذه الخطوة نقطة تحول رئيسية نحو مرحلة جديدة من التهدئة وبناء الثقة والتعاون المشترك، لتحقيق الأمن والاستقرار المستدامين في المنطقة". كما لا بد أن يتفهم جميع الأطراف ما جاء في البيان المصري حول الاتفاق، وأمل مصر في أن يسهم هذا التطور في تهيئة بيئة مواتية للتعامل مع مختلف النزاعات الإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لأنها جوهر الصراع في المنطقة، ولأن تسويتها بشكل حاسم مرتكز أساسي لتحقيق السلام العادل والشامل.
من مصلحة الجميع في العالم كله أن يتم النظر إلى التحرك المصري والتصريحات المصرية بعين الاعتبار والجدية، وإدراك مساعي تحقيق مصلحة الشعوب في استقرار أوطانها، فقد أثبتت التجارب السابقة أن الاتفاقيات الدولية لا تعيش بالنيات الحسنة وحدها، وإنما بالإرادة السياسية المستمرة والالتزام العملي ببنودها.
ولهذا فإن التحدي الأكبر أمام واشنطن وطهران لا يتمثل في الوصول إلى الاتفاق، بل في تحويله إلى واقع دائم ينعكس على أمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة وتهدئة بؤر التوتر المنتشرة في المنطقة، وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته القوى والوساطات الإقليمية والدولية في تقريب وجهات النظر، ومنع انزلاق الموقف إلى مواجهة مباشرة.
فقد أثبتت الدبلوماسية مرة أخرى أنها أكثر فاعلية وأقل تكلفة من لغة الصواريخ والتهديدات، وأن الحوار يظل الطريق الأقصر لحل النزاعات، مهما بلغت درجة تعقيدها، حيث كانت مصر في مقدمة الدول التي تبنت هذا النهج منذ اللحظة الأولى، انطلاقًا من رؤية ثابتة تقوم على ضرورة تغليب الحلول السياسية والحفاظ على استقرار الدول واحترام سيادتها، ولم يكن الموقف المصري وليد اللحظة، بل امتدادٌ لتحركات دبلوماسية متواصلة تستند إلى قناعة راسخة بأن الأمن الإقليمي لا يمكن أن يتحقق عبر الحروب أو سياسات الإقصاء، وإنما من خلال بناء منظومة تعاون وحوار تعالج جذور الأزمات بدلًا من الاكتفاء بإدارة نتائجها.
ومن هنا تبرز أهمية الرسائل التي حملتها مشاركة الرئيس في قمة مجموعة السبع، حيث حرصت مصر على نقل رؤية الشرق الأوسط إلى القوى الاقتصادية الكبرى، والتأكيد على أن استقرار المنطقة لم يعد قضية إقليمية فحسب، بل بات مرتبطًا بشكل مباشر بأمن الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد الدولية وحركة التجارة والطاقة.
وقد سعت القاهرة خلال السنوات الأخيرة إلى تدويل قضايا الشرق الأوسط بالمعنى الإيجابي للكلمة؛ أي نقل معاناة المنطقة وتحدياتها إلى دوائر صنع القرار الدولية، بما يضمن حضور هذه الملفات على أجندة القوى الكبرى وعدم تركها رهينة الحسابات الضيقة أو التوازنات المؤقتة. فالأزمات الممتدة لم تعد تؤثر على شعوب المنطقة وحدها، وإنما تمتد تداعياتها إلى مختلف أنحاء العالم.
كما يجب ألا يحجب الاحتفاء بالاتفاق الأمريكي الإيراني حقيقة واضحة بأن المنطقة لا تزال تواجه ملفات مشتعلة تتطلب معالجة عاجلة؛ فالحرب في غزة وما تشهده الأراضي الفلسطينية من مآسٍ إنسانية وسياسية ما زالت تمثل الجرح الأعمق في جسد الشرق الأوسط، كما أن استمرار الاعتداءات والتوترات في لبنان يهدد بإعادة إنتاج دوائر جديدة من عدم الاستقرار، ومن هنا فإن أي حديث عن شرق أوسط أكثر أمنًا واستقرارًا سيظل ناقصًا ما لم يترافق مع جهود جادة لإنهاء الحرب في غزة، ووقف نزيف الدم، وفتح مسار سياسي حقيقي يفضي إلى تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية وفق المرجعيات الدولية المعروفة، كما أن استقرار لبنان يظل جزءًا أساسيًا من معادلة الأمن الإقليمي التي لا تقبل التجزئة.
إن الاتفاق بين واشنطن وطهران ينبغي أن يكون بداية لمسار أوسع لا نهايته؛ مسار يعيد الاعتبار للدبلوماسية ويمنح شعوب المنطقة فرصة لالتقاط الأنفاس بعد سنوات طويلة من الصراعات والاستنزاف.
فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى هدنة مؤقتة بقدر ما يحتاج إلى رؤية شاملة تؤسس لسلام مستدام وتنمية حقيقية وتعاون إقليمي قادر على مواجهة التحديات المشتركة، ويبقى الشرط الأهم بعد الاتفاق هو الحفاظ عليه وعدم السماح بعودة المنطقة إلى المربع صفر، بحيث تظل المنطقة في حالة تخبط وتوتر كما يريد الكيان المحتل، وقد حذرت الاستخبارات الأمريكية إدارة ترامب من أن بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الاحتلال يتجه إلى اتخاذ خطوات من شأنها تقويض جهود ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام دائم مع طهران، وقد أفاد مسئولون أمريكيون بأن نتنياهو يواجه ضغوطًا سياسية شديدة لمواصلة الحرب في لبنان، ووفق تقرير استخباراتي أمريكي جديد فإن نتنياهو الذي يواجه انتخابات خلال هذا الخريف، يرتبط بقاؤه السياسي بأن يُظهر لجمهوره أنه لن يسحب القوات من لبنان، وأنه عازم على تصعيد القتال مع حزب الله، الأمر الذي يهدم كثيرًا مما تحقق على أرض الواقع.
التاريخ يعلمنا أن بناء الثقة يحتاج إلى سنوات طويلة، بينما يكفي قرار متسرع أو حساب خاطئ لإهدار كل ما تحقق؛ لذلك فإن المسئولية اليوم لا تقع على عاتق واشنطن وطهران وحدهما، بل تمتد إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية باستقرار الشرق الأوسط، فإذا نجحت هذه اللحظة السياسية في التحول إلى نقطة انطلاق جديدة، فإن المنطقة قد تكون أمام فرصة نادرة لاستعادة التوازن والانصراف إلى البناء والتنمية. أما إذا ضاعت هذه الفرصة كما ضاعت فرص كثيرة من قبل، فإن الجميع سيدفع الثمن مرة أخرى، وستظل شعوب الشرق الأوسط أسيرة دورة لا تنتهي من الأزمات والصراعات التي آن الأوان لوضع حد لها.