إن الحديث عن التمكين الاقتصادي للمرأة المصرية لا ينبغي أن يُحصر في سجل الأرقام والإحصاءات، بل هو قراءة في معادلة وطن يستكشف نصف طاقاته المهدرة. هي قضية لا تتصل بحقوق فئة، بقدر ما تتصل بمصير اقتصاد بأكمله، وبقدرة مجتمع على استثمار كل ما يملك من موارد بشرية قبل موارد مادية.
التحديات: جدران تعيق المسار، أول هذه الجدران جدار "الزمن". إذ تتحمل المرأة المصرية عبء الرعاية غير مدفوعة الأجر داخل الأسرة، من تربية وتعليم ورعاية كبار السن. وهو عبء يسرق منها ساعات الإنتاج ويضعها أمام خيار قاسٍ بين واجب البيت وحق العمل. ومع غياب منظومة متكاملة لاقتصاد الرعاية، من حضانات ذات جودة ومراكز مسنين مدعومة، يظل هذا الجدار عائقًا هيكليًا لا فرديًا.
وثانيها جدار "الثقافة"، ذلك الموروث المجتمعي الذي ما يزال يربط قيمة المرأة في اللاوعي الجمعي بدورها المنزلي، فيحاصر طموحها قبل أن يبدأ. هو جدار لا يُهدم بمرسوم قانون، بل يتآكل بمشهد واقعي يُثبت العكس؛ بمديرة ناجحة، بمهندسة تشرف على مشروع قومي، بعالمة ترفع اسم مصر في المحافل الدولية. الثقافة لا تُغير بالخطابة، بل بالنماذج.
وثالثها جدار "الأصول". فغياب الضمان العقاري وتركز ملكية الأراضي والعقارات بأيدي الرجال يحرم المرأة من أهم أدوات التوسع والتمويل المصرفي. وحين تُحرم من الضمان، تُحرم من القرض، وحين تُحرم من القرض، يظل مشروعها أسير دائرة المشروعات الصغيرة جدًا التي بالكاد تبقيها على قيد الحياة دون أن تنقلها إلى قيد النمو.
الإنجازات: شواهد على القدرة، ومع صلابة هذه الجدران، فإن الواقع يقدم شواهد لا تُنكر على عبقرية المرأة المصرية الاقتصادية حين تُمنح الفرصة. فقد أثبتت بيانات القطاع المصرفي أن معدلات تعثر السيدات في القروض متناهية الصغر لا تقارن بمثيلتها لدى الرجال. هذه ليست صدفة، بل انعكاس لطبيعة المرأة المصرية في الإدارة والالتزام والحرص على الكلمة.
وفي قطاعات الاقتصاد الجديد؛ الرقمنة والصناعات الإبداعية والاقتصاد الأخضر؛ وجدت المرأة مساحتها الطبيعية التي تتفوق فيها بالفطرة والمهارة. فحولت التراث المصري الأصيل من تطريز سيناوي وخزف فيومي إلى منتج عالمي يُصدر عبر منصات التجارة الإلكترونية. وبرزت مئات الفتيات خريجات كليات الفنون الجميلة والتطبيقية ليؤسسن استوديوهات للجرافيك والأنيميشن من غرف صغيرة في منازلهن، يخاطبن العالم بلغة الإبداع ويقبضن بالعملات الصعبة.
أما في الاقتصاد الأخضر، فقصص سيدات الواحات والفيوم في تحويل مخلفات النخيل والمخلفات الزراعية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية، هي نموذج حي على أن المرأة لا تنتظر الوظيفة، بل تصنعها من لا شيء. هي تملك عينًا ترى الفرصة حيث يرى الآخرون النفاية.
أكاديمية الفنون.. رافعة إبداعية للتمكين
ولا يمكن الحديث عن تمكين اقتصادي للمرأة دون الإشارة إلى دور المؤسسات الثقافية والفنية في صناعة هذا التغيير. وأكاديمية الفنون، بصفتها منارة الإبداع في مصر، لم تعد تخرج فنانة تجيد العزف أو الرسم فحسب، بل تخرج رائدة أعمال ثقافية.
طالباتنا اليوم يتحولن من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل وهن يحملن مشروعات قائمة. منهن من أسست علامة تجارية للأزياء مستوحاة من العمارة الإسلامية، ومنهن من أنشأت شركة إنتاج رقمي متخصصة في المحتوى التعليمي للأطفال، ومنهن من تحولت حرفة النحت التي تعلمتها إلى ورشة توظف عشر سيدات من قريتها. هذا هو التمكين الحقيقي؛ حين يتحول الفن من هواية إلى صناعة، ومن شهادة إلى دخل، ومن طموح شخصي إلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
من الاستحقاق إلى الضرورة الإستراتيجية:
إن تمكين المرأة لم يعد استحقاقًا اجتماعيًا فحسب، بل صار ضرورة اقتصادية ملحة لا تحتمل التأجيل. فكل سيدة تتحول من متلقية للدعم إلى صانعة للقيمة، هي خطوة إضافية نحو زيادة الناتج القومي وتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين مؤشرات التنمية البشرية.
المعادلة بسيطة وواضحة: عندما تعمل المرأة، يرتفع دخل الأسرة، وعندما يرتفع دخل الأسرة، تتحسن صحة الأبناء وتعليمهم، وعندما يتعلم الأبناء تعليمًا جيدًا، يصبح لدينا جيل قادر على قيادة المستقبل. إذن فتمكين المرأة هو استثمار مركب عائده لا يقف عندها، بل يمتد لأجيال.
إن مصر التي نحلم بها في "الجمهورية الجديدة" لا يمكن أن تُبنى بسواعد الرجال وحدها، ولا بأحلام النساء وحدها، بل بشراكة متكافئة بينهما. وما لم نُسقط بوعي وإرادة جدران الزمن والثقافة والأصول، سيظل ناتجنا القومي ناقصًا بقدر النقص في مشاركة نصف المجتمع.
المرأة المصرية ليست نصف المجتمع. المرأة المصرية هي المجتمع كله. هي الأم التي تربي، والمعلمة التي تبني، والفنانة التي تلهم، والاقتصادية التي تضيف.
ومنتهى القول: إن تمكين المرأة اقتصاديًا ليس منحة ولا تفضلاً، بل هو إعادة حق إلى نصابه، واستثمار في أصل وطني مجمد. وحين تتمكن المرأة، يتمكن الوطن.