توقفت طويلاً لتأمل جملة أخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب: "لولا تدخلي لكانت إسرائيل سُحقت.. وما كانت موجودة اليوم"..
وتساءلت: هل ما قاله ترامب بعد التوقيع الرقمي لمذكرة التفاهم مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان يخدمنا، أو يدعم حججنا كعرب أم يخدم إسرائيل؟! كما هو الحاصل في كل حرب، حيث لا يخرج من أزمة مستفيدًا غير مستفيد واحد هو إسرائيل.. بينما يأتي العفو والغفران من جانبنا مع الولايات المتحدة، التي دافعت ودعمت بالمال والسلاح والاشتراك في الحرب بجوار الجيش الإسرائيلي.
لو كان ترامب أكمل الجملة بقوله مثلا: "وسأمنعها من مهاجمة لبنان".. لكان فعل خيرًا.. إنما كل التكتيك الذي اتبعه في مساعدة لبنان، هو نصائحه المتكررة لإسرائيل بأن ينفذوا المهمة بسرعة، من تدمير وقتل وتسوية المباني بالأرض وضرب البنية التحتية وإنهاء أو إنهاك حزب الله. لأن التأني، وإسرائيل لا تتأنى أبدًا، ربما يعطي الفرصة لأصوات دولية، قد تكون منها فرنسا، لمطالبته بالتدخل لوقف ضرب لبنان.
قول ترامب، لو قلبته من كل الوجوه، كلمة حق يراد بها باطل. ولننظر كيف قدمت إسرائيل نفسها للغرب الذي صنعها، بدءًا من وعد بلفور في العشرينيات من القرن الماضي، مرورًا بالاعتراف بها كدولة في الأمم المتحدة في الأربعينيات، وثم بعد ذلك، وإلى زمن قريب. وهي قالت إنها البلد الصغير الذي يعيش وسط عالمٍ معادٍ يريد إلقاءها في البحر. وحصدت في مقابل ذلك التعاطف والدعم والمساندة والأموال والتسهيلات و...
والآن الغرب بقيادة الولايات المتحدة يعيد تقديم إسرائيل بنفس المنطق، وهو أنه لولا الرئيس ترامب لسُحقت إسرائيل. إنه كلام يشبه بعضه، ويصب في النهاية إلى فرعين أساسيين، لهما ثالث ورابع وإلى ما تستطيع العد: الأول أن إسرائيل ستظل مستحقة للمساعدة التي من دونها تُمحى، والثاني أن هذا الكلام يرضينا دائمًا. ونحن نردده: "لولا أمريكا" أو "لولا من وراء إسرائيل" لما كانت إسرائيل موجودة، ولقضينا عليها في ثوانٍ معدودة.
ونجحت إسرائيل طوال الوقت في استثمار الفكرة، حتى وصل الأمر برئيس حكومتها نتنياهو ليطرح بكل ثقة مشروع "إسرائيل الكبرى" في المنطقة. وبرغم كل التصريحات الأمريكية، وإيقاف خطط جاهزة للضرب هنا أو هناك، وإعادة الطائرات بعد أن انطلقت، بعد اتصال هاتفي بين ترامب ونتنياهو، فإن الجيش الإسرائيلي مازال يجثم فوق أراضي غزة، ويقطع أوصال الضفة، ويضم الجولان السوري المحتل وأراضي إضافية، ويرتع في جنوب لبنان، ويضرب في كل الأنحاء.
وجملة ترامب الجديدة موجهة أيضًا لإسرائيل، لترد حكومتها بالشكر والتقدير، ليس أكثر من ذلك، لأن الرئيس ترامب لم يأت على ذكر الأراضي العربية المحتلة، والتي ينبغي أن تنسحب منها إسرائيل لإرساء السلام، وإلا لن تنعم به أبدًا.
وربما يأتي الوقت لإمكانية سحق إسرائيل، ولو في الضمير الجمعي لسكان المنطقة المحيطين بها.
ولا أريد أن أشطط في الخيال إلى هذا الحد، على الأقل في السنوات المنظورة، وإسرائيل كمشروع استعماري يعود إلى القرنين الثامن والتاسع عشر، ويتقدم، ويجد من يخدمه في أوروبا، ثم في الولايات المتحدة، ولا يمكن سحقه بالكلمات. ولم يجد جديد على المشروع الاستعماري الغربي في إسرائيل، رغم كل ما جرى في السنوات الأخيرة، فالمشروع هو كما عرفنا دائمًا: غرس إسرائيل في الأرض العربية، بينما المقاومة العربية والإسلامية للمشروع، من الداخل الفلسطيني، ومن الجوار العربي، لم تفلح في مواجهة الحركة الصهيونية التي صنعت الدولة الإسرائيلية. وكان الدعم أوروبيًا بسبب الشعور الأوروبي بالذنب تجاه اضطهادهم اليهود، ثم وصلنا إلى نوع من تطور الموقف الأوروبي من القضية الفلسطينية إلى وضع أفضل نسبيًا.
ورغم ذلك تعيش أوروبا تناقضات سياسية، ورأينا في حرب الإبادة ضد غزة، مواقف مختلفة، أعظمها شأنًا بالنسبة لنا، مواقف إسبانيا وإيرلندا وعواصم أخرى؛ بإعلان نيتها الاعتراف بالدولة الفلسطينية..
وقد كان مفيدًا بالنسبة لنا أن يضيف الرئيس ترامب لجملته العجيبة أنه لن يضطر إلى الأبد للتدخل لمنع سَحق إسرائيل، وأن على إسرائيل أن تحترم جيرانها، ولا تقضم أراضيهم، وتنسحب منها، وأن السلام مع جيرانها هو وحده بوسعه منع أي أحد من التفكير في سَحق إسرائيل.
قطعًا يرضي قول ترامب كثيرين في العالم العربي، فقوة قاهرة في العالم هي التي تحول بينهم وبين مواجهة إسرائيل والانتصار النهائي عليها، لكن الجملة تتعاطى مع الموقف ولا تزيد، وبعض رؤساء أمريكا أخذوا مواقف قوية، لكنها لم تصمد مع الزمن، حيث تستجيب إسرائيل ثم تعود لفعل الشيء نفسه، مع تغاضي أمريكي فاضح.
ويذكر التاريخ إرغام الرئيس وايزمان إسرائيل على الانسحاب من سيناء سنة 1957، لكنها عادت بعد عشر سنوات، وبدعم أمريكي. وأتذكر مواجهة الرئيس بوش ضد إسرائيل بشأن الاستيطان في الضفة الغربية، فتوقف قليلاً، وينتشر الآن كما يحلو للحكومة الإسرائيلية. ثم الرؤساء كلينتون وبوش الابن وأوباما الذين رفضوا نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، والمدهش أن الذي فعل ذلك هو الرئيس ترامب نفسه.