حين يُذكر السابقون إلى الإسلام، يبرز اسم طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه في مقدمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن أعظم فرسان الإسلام، وصاحب المواقف العظيمة يوم أحد.
موضوعات مقترحة
لم يكن طلحة بن عبيد الله شجاعًا في ميدان القتال فحسب، بل كان من أكثر الصحابة كرمًا وإنفاقًا، حتى لُقِّب بـ طلحة الخير وطلحة الفياض وطلحة الجود.
وقد اجتمعت له مناقب كثيرة ثبت بعضها في أصح كتب السنة، وروى المؤرخون وأهل السير بقيتها، حتى أصبح اسمه رمزًا للتضحية والوفاء، والرجل الذي بذل نفسه وماله في سبيل الله.
من هو طلحة بن عبيد الله؟
هو طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيمي القرشي رضي الله عنه، من قبيلة بني تيم، القبيلة نفسها التي ينتمي إليها أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ولد في مكة قبل البعثة بنحو ثمانية وعشرين عامًا، وكان يعمل في التجارة، فسافر إلى بلاد الشام أكثر من مرة، وهناك سمع من أحد رهبان بصرى حديثًا عن قرب خروج نبي في جزيرة العرب، وأن زمانه قد أظل.
عاد طلحة إلى مكة وهو يحمل تلك الكلمات في ذهنه، ولم تمضِ فترة طويلة حتى أعلن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته، فكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه من أوائل من دعاه إلى الإسلام، فأسلم دون تردد، ليصبح من السابقين الأولين إلى هذا الدين.
وقد ذكر أهل السير، كابن سعد وابن هشام، قصة لقائه بالراهب، وإن كان أصل فضله وثبوت إسلامه المبكر ثابتًا في المصادر الصحيحة.
ابتلاء في بداية الإسلام
لم يكن طريق الإيمان سهلًا. فقد غضب عليه بعض أقاربه عندما أعلن إسلامه، وربطوه بالحبال ومنعوه من الخروج، في محاولة لإجباره على ترك دينه.
لكن طلحة ثبت كما ثبت بقية السابقين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم تزده المحن إلا يقينًا. ثم هاجر إلى المدينة، ليبدأ مرحلة جديدة من حياته، مليئة بالجهاد والعمل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لماذا لم يشهد غزوة بدر؟
قد يظن البعض أن طلحة لم ينل فضل أهل بدر لأنه لم يحضر المعركة، لكن الحقيقة غير ذلك. فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم مع سعيد بن زيد رضي الله عنه في مهمة استطلاعية لمراقبة تحركات قريش قبل المعركة. وعندما عادا، كانت بدر قد انتهت.
ومع ذلك، أعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم نصيبهما من الغنائم، وعدّهما من أهل بدر، لأن غيابهما كان تنفيذًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ورد ذلك في كتب السيرة والمغازي.
يومٌ كان كله لطلحة
إذا ذُكر طلحة رضي الله عنه، فلا بد أن تُذكر غزوة أحد. فبعد أن خالف بعض الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، انقلبت موازين المعركة، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطر شديد، وأحاط به المشركون من كل جانب.
في تلك اللحظات العصيبة، ثبت نفر قليل من الصحابة، وكان طلحة في مقدمتهم. جعل جسده درعًا يحمي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يتلقى السهام وضربات السيوف بيده وصدره، حتى أصيب بأكثر من سبعين جرحًا، وقُطعت بعض أصابعه، وشُلَّت يده من أثر الضربات. وكان كلما اقترب أحد من النبي صلى الله عليه وسلم ، اندفع طلحة لرده، غير مبالٍ بما يصيبه. فلما انتهت المعركة، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أوجب طلحة». أي: وجبت له الجنة بإذن الله، كما رواه الإمام الترمذي وحسنه عدد من أهل العلم.
وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا ذُكر يوم أحد يقول: «ذلك يومٌ كان كله لطلحة». وهو أثر مشهور رواه أهل السير، في إشارة إلى عظيم ما قدمه في ذلك اليوم.
طلحة بن عبيد الله - إنفوجراف
"شهيد يمشي على وجه الأرض"
ومن أعظم ما ورد في فضله، قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من سرَّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله». رواه الإمام الترمذي، وصححه عدد من أهل العلم. وكان هذا من البشائر العظيمة التي نالها طلحة في حياته، فقد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة قبل أن يلقى الله بسنوات طويلة.
كما كان طلحة من العشرة المبشرين بالجنة، وهي منزلة لم ينلها إلا عشرة من كبار الصحابة، ثبتت بحديث صحيح رواه الترمذي وغيره.
لماذا لُقب بطلحة الخير وطلحة الفياض؟
لم يكن طلحة بطلًا في القتال فقط، بل كان مضرب المثل في السخاء. كان إذا جاءه مال، لم يتركه عنده طويلًا، بل يوزعه على الفقراء والأرامل وأبناء الشهداء.
ويروي أهل السير أن قافلةً تجارية جاءت له يومًا، فباعها وربح ربحًا كبيرًا، ثم أنفق المال كله في سبيل الله قبل أن يبيت ليلته. ولذلك لقبه الصحابة بـ طلحة الفياض لكثرة عطائه، وطلحة الجود لسخائه، وطلحة الخير لما عُرف عنه من الإحسان. وقد ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء، وابن سعد في الطبقات الكبرى، نماذج كثيرة من كرمه وإنفاقه.
مكانته بين الصحابة
كان طلحة موضع ثقة الخلفاء الراشدين. فلما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، جعل أمر اختيار الخليفة من بعده في ستة من كبار الصحابة، وكان طلحة أحد هؤلاء الستة، إلى جانب عثمان، وعلي، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم. واختيار عمر له لم يكن إلا لما عرفه من علمه، وسابقته، وفضله، ومكانته بين المسلمين.
كيف استشهد؟
بعد استشهاد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقعت الفتنة التي فرقت كلمة المسلمين. وخرج طلحة رضي الله عنه إلى وقعة الجمل، لكنه لم يكن يريد القتال، وتشير الروايات إلى أنه مال إلى تركه عندما تذكّر ما سمعه من النصوص في خطورة الفتنة. وأثناء انسحابه من أرض المعركة، أصابه سهم فاستشهد سنة 36 للهجرة. ولما رآه علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد مقتله، حزن عليه حزنًا شديدًا، وترحم عليه، لما كان يعلمه من سابقته وفضله، كما نقل ذلك أهل التاريخ.
رجلٌ عاش وفيًّا لله ورسوله
اجتمع في طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ما قلّ أن يجتمع في رجل واحد؛ سبقٌ إلى الإسلام، وثباتٌ عند الشدائد، وشجاعةٌ أنقذت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، وسخاءٌ جعله من أكثر الصحابة إنفاقًا، حتى استحق أن يكون من العشرة المبشرين بالجنة.
ولذلك بقي اسمه منيرًا في صفحات التاريخ الإسلامي، لا لأنه كان فارسًا شجاعًا فحسب، بل لأنه أدرك أن أعظم بطولة هي أن يبذل الإنسان نفسه وماله لنصرة دين الله. وقد صدق فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «من سرَّه أن ينظر إلى شهيدٍ يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله»، فكانت شهادةً نبوية خالدة، حفظت مكانته بين أعظم صحابة رسول الله ﷺ، كما حفظت للأمة نموذجًا خالدًا في التضحية والإخلاص.
المصادر: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن الترمذي، مسند أحمد، الطبقات الكبرى لابن سعد، السيرة النبوية لابن هشام، سير أعلام النبلاء للذهبي، الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر، البداية والنهاية لابن كثير.
سلسلة صحابة رسول الله:
أول من سلَّ سيفه في سبيل الله.. لماذا قال النبي: «إن لكل نبي حواريًا وحواريَّ الزبير»؟
اهتز لموته عرش الرحمن.. من هو الصحابي الذي شيعه 70 ألف ملك؟ | إنفوجراف