فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي …

21-6-2026 | 14:48

وَإِذا رَحِمتَ فَأَنتَ أُمٌّ أَو أَبٌ

هَذانِ في الدُنيا هُما الرُحَماءُ..

في القرآن الكريم، استخدامٌ للفظين، يعنيان نفس الشيء، الوالدان والأبوان! 
الفارق الوحيد بينهما، أنَّ (الوالدين) فيها ترجيحٌ لكفة الأم قليلاً، أما (الأبوان) ففيها ترجيح لكفة الأب قليلاً. 

عطاء الأم معلوم، وجهدها مشكور، ومكانتها مصونة، وثوابها عظيم. 

أما الأب، في حياة أسرته، فلربما يُهضم حقه، وتضيع مكانته! فدوماً يُشارُ في صلاح الأبناء إلى الأم، أما تضحيات الأب، وكفاح الأب، ومعاناة الأب، فقد لا يراها الكثيرون. 

رسولُنا الأعظمُ، صلى اللهُ عليه وسلمَ، كانَ أعظمَ الآباءِ، وأكثرَهم حُنواً، قالَ في ابنتِه التقيةِ النقيةِ، الزهراءِ فاطمةَ، رضي اللهُ عنها وأرضاها: قطعةٌ منيّ، يريبُني ما يريبُها، ويؤذيني ما يؤذيها.

اليوم، الحادي والعشرون من يونيو، يحتفي العالمُ كلُه، بتقليدٍ جديدٍ، وهو عيدُ الأبِ! 

وأيُ تكريمٍ للأبِ أعظمُ من صلاحِ أبنائِه، وأن تقر عيناه بهم، ويسعد ببرهم، تماماً كهذا الابنِ الذي قالَ لأبيه: يَٰٓأَبَتِ ٱفْعَلْ مَا تُؤْمَرُ..

وليس كذاك الابن الذي قالَ أيضاً لأبيه: سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍۢ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ..

كلاهما ابنُ نبيٍّ! طاعةُ الأولِ، جعلته نبياً من المُكرمين. وكُفرُ الثاني، جعله: إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍۢ. ونهايتُه: فَكَانَ مِنَ ٱلْمُغْرَقِينَ.

والتقوى تحمي الذريةَ، وتنفعها: وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً. والخائف على ذريته، أعطاه الله سبيلي النجاة: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا.. 

التقوى، والقول السديد. 

أولادي، نور عيني، ونبض فؤادي: 

قد لا أكون قد استطعتُ أن آتيكم بكل ما تتمنون، لكنني يقيناً أعطيتُكم كل ما أملك. 
عشتُ عمري كله، أتنفس هواءكم، أفرح لفرحكم، وأتألم لحزنكم، وأدعو ربي ليلاً ونهاراً، أن تكونوا سعداء الدنيا والآخرة. 

اليوم أنتم الحاضر، وأنا الماضي، وأنا واثق مطمئن من بركم، لأنني كنتُ باراً بأبي وأمي، وكل شيء عند الله في كتاب، لا يضل ربي ولا ينسى.

كم كان ربي رحيماً بيِّ، لما قالَ: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ..
يجمعُ اللهُ الشُكرين معاً! وما أعظمها من مكانة. 

يقرِنُ اللهُ شكرَه بشُكرِ الوالدين، مستخدماً حرف العطف (الواو) الذي يفيد الجمع، وليس (ثم) التي تفيد التعقيب والتأخير.

وكم كان ربي عظيماً، لما قال لموسى عليه السّلام: يا موسى إنّه من برّ والديه، وعقّني، كتبتُه بارّاً، و من برّني، وعقّ والديه، كتبتُه عاقّاً.

غداً سأموت، ويبقى أثري فيكم، يبقى الأثر، كما يبقى الاسم، فأروني منكم خيراً. كونوا لبعضكم كالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضاً، كونوا لبعضكم، كهارون من موسى، فأخوك أقرب الناس إليكَ، فلا تضيعه من بين يديك، ولا تُقدم عليه أحداً، لا توغر له صدراً، ولا تهضم له حقاً، ولا تبخل عليه، واتخذه صديقاً ورفيقاً، سنداً وظهيراً. 

أمكم وشقيقتكم، قطعتان مني، يسعدني ما يسعدهما، ويؤذيني ما يؤذيهما، كونوا لهما من بعدي، الابن والأخ والوالد، لا تناموا حتى يناما، ولا تأكلوا حتى يشبعا، وصية الله، ووصيتي، وهي أمانة أضعها في أعناقكم، وألقاكم بها يوم القيامة. 

أهلي أرحامكم، فأروني فيهم خيراً، لا تقطعوا لهم وداً، ولا تعصوا لهم أمراً. فإنَّ أبرَّ البرِّ، صلةُ المرءِ أهلَ ودِّ أبيه.. 

كنتم ذكوراً، فكونوا رجالاً، ترحمون الضعيف، وتنصرون المظلوم، وتغيثون الملهوف، وتقولون الحق، ولو كان مراً. 

إذا قمتم على قبري، فتراصوا، وارتدوا أجمل ثيابكم، وتبسطوا مع كل من واساكم، ولا تسرفوا في عزائي، فالمحتاجون أولى. 

كونوا ليِّ من بعدي، كقميص يوسف: اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَـٰذَا فَأَلْقُوهُ عَلَىٰ وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا.. فَأَلْقُوا الخير على الناس من بعدي، فقد تطالني دعوة طيبة من أحدهم، فعلتم معه معروفاً، فقال: فليرحمِ اللهُ أباكم..

وفي الختام، سينقطع عملي من الدنيا، فأوصلوه بدعائكم، وصالح أعمالكم. 

تركتُكم لربي، والرب أب وزيادة، أنتم وديعته، وهو وحده، جلت قدرته، الذي لا تضيع عنده الودائع. 

اللَّهُمَّ اجعلْ أبناءَنا في حِفظِك، وكَنَفِك، وأمانِك، وجِوارِك، وعِياذِك، وحِزبِك، وحِرزِك، ولُطفِك، وسَترِك، إنَّك على كُلِّ شيء قديرٌ.

 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: