لأني اقتربت منه في حوارين مهمين، نشرتهما الأهرام (5 مايو 2004.. و11 يناير 2005)، هذه شهادتي عن أحد أبرز السياسيين اليابانيين المعاصرين، رجل الدولة المرموق كونو يوهي الذي توفي منذ أيام، وكان الأقرب -بامتياز- لقلوب المصريين.
بداية وقبل سرد جانب من الإرث السياسي المحلي والإقليمي والدولي للساموراي الياباني الاستثنائي، كونو يوهي، فيما يسمى بحقبة ما بعد الحرب، أستأذن القارئ الكريم بالعودة لنقل انطباعات عن الرجل، نشرتها الأهرام في الحوارين المذكورين.
في إطار المهمة كمراسل للأهرام بالعاصمة اليابانية (2001-2005)، وفي أثناء حفل استقبال بطوكيو، لمحت القطب السياسي، كونو يوهي، الذي كان يرأس -وقتها- مجلس النواب. اقتربت منه بهدوء، وطلبت منه إجراء حديث معه للأهرام. أبدى الرجل ترحيبًا، لأقوم -على الفور- بالتواصل مع مكتبه، ولأحظى بالموافقة.
وقت إجراء المقابلة الأولى (أبريل 2004)، كانت بحوزتي -بحكم المهنة- خلفية معتبرة عن سيرة ومسيرة السيد كونو يوهي، غير أني بذلت مجهودًا إضافيًا لجمع المزيد من المعلومات، والمواقف الرسمية، لزوم وضع الأسئلة، والاستعداد للحوار.
سيرة السيد كونو تشير إلى أنه: ولد في 15 يناير 1937، ينتمي لعائلة سياسية بارزة، والده السياسي المعروف، كونو إيتشيرو، انتخب -لأول مرة- عضوًا في مجلس النواب عام 1967، وشغل مقعده النيابي لمدة 14 دورة متتالية، تقريبًا.
أيضًا، جرى تعريف السيد كونو، داخل الحزب الليبرالي الديمقراطي، بكونه: من الحمائم المؤيدين للدبلوماسية، الحذر في تناول القضايا العسكرية والدستورية. من المفارقة أنه أحد رئيسي الحزب الحاكم، اللذين لم يصلا إلى رئاسة مجلس الوزراء.
ضمن السيرة الذاتية للسيد كونو، لفتت انتباهي قصة إنسانية مثيرة للتعاطف معه -في بدء مهامي كمراسل- تتعلق بإصابته بالتهاب كبدي من فيروس سي، قاده إلى زرع جزء من الكبد، تبرع به ابنه الأكبر تارو، العضو -وقتها- في مجلس النواب الياباني. وقد جرى تداول هذه العملية الجراحية -على نطاق واسع آنذاك- باعتبارها مثالاً على التضحية الكبيرة من الابن للوالد بما تحمله من مخاطر على حياة الاثنين.
عمومًا، اتبع السيد كونو فلسفة سياسية مبنية على عدد من المبادئ المثالية والقيم الأخلاقية الرفيعة، مثل: إيمانه بالحوار بدلاً من المواجهة، احترام الثقافات والحضارات، رفض النزاعات العسكرية والتشدد القومي، الإقرار بالأخطاء التاريخية كأساس للمصالحة وبناء الثقة مع الشعوب المجاورة والشركاء الدوليين.
على هذا الأساس، ترك السيد كونو بصمة واضحة في الحياة السياسية لبلاده، بفضل المناصب التي شغلها: كعضو ثم رئيس لمجلس النواب، رئاسة الحزب الحاكم، كبير أمناء مجلس الوزراء، نائب رئيس مجلس الوزراء، ووزير الخارجية.
في مبادرة جريئة لبناء الثقة مع دول الجوار، وتحديدًا مع كل من كوريا والصين، أصدر القطب السياسي الياباني الكبير بيانه الشهير في أغسطس من عام 1993، والمعروف باسم "بيان كونو"، الذي اعترف فيه -لأول مرة رسميًا- بدور الجيش الياباني في إنشاء بيوت النساء الكوريات للمتعة، في فترة الحرب العالمية الثانية.
لهذا السبب، سارعت كوريا الجنوبية بتقديم تعزيتها الحارة في وفاة السيد كونو، مؤكدة أن "بيان كونو" كان أول وثيقة رسمية يابانية، تعترف بالحقائق التاريخية المتعلقة بنساء المتعة، وتعبر عن الندم الياباني الحقيقي، بما يظهر شجاعة كونو.
أيضًا في بكين، نعت وزارة الخارجية الراحل الياباني الكبير، وذكرت أن كونو "صديق قديم عزيز للشعب الصيني"، مشيرة إلى زياراته المتكررة لبكين، حتى بعد اعتزاله الحياة السياسية، بالإضافة إلى دوره كجسر بين البلدين، وأنه كان من أبرز المدافعين عن الدستور السلمي، وعن تطوير العلاقات الثنائية بين الصين واليابان.
"شجاعة وحيادية السيد كونو يوهي أكسبته احترامًا شديدًا في العالمين العربي والإسلامي". هذا ما ورد نصًا في الحديث الأول معه، الذي نشره الأهرام بتاريخ 5 مايو 2004. وكتبت في مقدمة الحديث -أيضًا- وصفًا منسوبًا لسفير مصر الأسبق بطوكيو، هشام بدر، جاء فيه أن كونو يوهي معروف في اليابان بـ "إله العدالة".
تجدر الإشارة إلى أني استمعت لرئيس الحكومة الأسبق، والأشهر، جونيتشيرو كويزومي، وهو يقول للسفراء العرب والمسلمين المعتمدين، وقتها: "إن اليابان تعتقد في أكثر من 6 ملايين إله، وترحب بالمزيد مما تعتقدون لو باستطاعتكم"!!
وقتها وضمن ما ورد في إجاباته عن أسئلة مراسل الأهرام، قال السيد كونو: "عندما توليت مهام منصبي كرئيس لمجلس النواب، كان أول من دعوتهم في المقر الرسمي، هم سفراء الدول العربية والإسلامية المعتمدين في طوكيو".
السيد كونو هو عراب مبادرة الحوار العربي-الياباني، وفي حديثه للأهرام قال، نصًا: "في عام 1990، حينما كنت رئيسًا للجنة العلاقات الخارجية بالحزب الحاكم، اتضح لنا أن هناك قصورًا شديدًا في معرفة أوضاع الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي. وعندما توليت حقيبة الخارجية -بعد ذلك- قررت إنشاء مركزًا مهمًا للدراسات الإسلامية بوزارة الخارجية، وواظبت على حضور أعماله".
حكيم اليابان الراحل كونو يوهي في حديثه الحصري لمراسل الأهرام في طوكيو
مصر حظيت بمكانة خاصة في فكر ووجدان فقيد اليابان الراحل (ورث هذه المكانة -بامتياز- نجله الأكبر، النائب بالبرلمان، تارو، الذي شغل في السابق حقيبتي الدفاع والخارجية)، ويقول في الحديث: "مصر -بما تمتلكه من كفاءات ومؤهلات وتاريخ طويل- هي أفضل الدول العربية التي يمكن أن تتعامل معها اليابان..
وعلى المستوى الشخصي، كانت مصر هي آخر رحلة خارجية قمت بها مع زوجتي قبل رحيلها".
أيضًا، وجب التنويه إلى أن تارو، النجل الأكبر للسيد كونو، سار على درب والده الراحل، في إعطاء مكانة خاصة لمصر، وقد أمضى شهر العسل مع عروسه في المحروسة. وهو ما كتبته تفصيلا -في بوابة الأهرام- بتاريخ 27 سبتمبر 2021.
بقيت الإشارة إلى جانب مما جاء في الحديث الثاني الذي نشرته الأهرام مع السيد كونو، قبيل بدء أول زيارة يقوم بها رئيس لمجلس النواب الياباني لمصر عام 2005. وقتها، قال كونو: "لقد شجعني الحديث الذي أدليت به للأهرام في وقت سابق، للتفكير جديًا بزيارة مصر". وردًا على سؤال بخصوص انتقادات توجه للدبلوماسية اليابانية، وما يتردد عن تبعيتها لواشنطن، أجاب السيد كونو بنبرة عتاب ضاحكة: "هل تعتقدون حقًا في هذه الانتقادات، وأنتم تجلسون أمام رئيس مجلس النواب"؟! ثم شرح -تفصيلا- الأسباب التي ربطت "كثيرًا" بين السياستين اليابانية والأمريكية، منذ هزيمة اليابان، وموضحًا: "لكن ليس في كل الأحوال".
[email protected]