تحت عنوان تعميق الإصلاح وتعظيم الأثر أصدرت الحكومة قبل أيام الإصدار الثاني من وثيقة سياسة ملكية الدولة التي أعلنتها الدولة المصرية بنهاية 2022 لتحدد بها وتقطع على نفسها عهدًا ووعدًا بأنها سترحل من الاقتصاد وتتحول من إدارة الأصول إلى إدارة الدور الرقابي وترك الساحة للقطاع الخاص؛ ليقود قطار التنمية والاستثمار شأن العديد من دول العالم التي حققت تجارب ناجحة من وراء قيادة القطاع الخاص لقاطرة الاستثمار.
وقبل التطرق لمحاور ومستهدفات الإصدار الثاني من الوثيقة، هل حققت الدولة المستهدفات التي جاءت في الإصدار الأول خلال السنوات الثلاث الماضية الإجابة: لا.. فالعديد مما ورد في الوثيقة لم يتحقق خصوصًا في ملف تخارج الدولة من بعض الأصول والقطاعات؛ مما يفتح المجال أمام تساؤلات أكثر إلحاحًا حول جدية الدولة في تنفيذ ما تعهدت به في الوثيقة خصوصًا في ظل تحديات صعبة باتت تعوق مسيرة الاقتصاد الوطني، وتتطلب مشاركة أكثر فاعلية من القطاع الخاص وبوتيرة سريعة وفاعلة فلا حلول للتحديات الاقتصادية دون زيادة الاستثمارات الخاصة ولا تقدم بلا تخارج كامل للدولة من الاستثمار، فقد أثبتت التجارب أن وجودها ومزاحمتها للقطاع الخاص لم يجلب سوى الضيق والديون.
وأذكر قبل عدة سنوات تم إعداد مشروع بحثي لحالة الاقتصاد المصري، ووضع رؤية مستقبلية تتضمن الحلول المطلوبة للنهوض بمكوناته، وقد شارك في إعداد هذه الدراسة ٣٠ خبيرًا مصريًا ودوليًا تحت إشراف الدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط حينها، والدكتور محمود محيي الدين مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة للتنمية المستدامة، وانتهت الدراسة إلى أن هناك اختلالات كبيرة في هيكل الاستثمار في مصر تعوق مستهدفات التنمية، في مقدمتها سيطرة الدولة على هذا القطاع؛ وهو ما أدى إلى تدني معدل الاستثمار الخاص، وخصوصًا من الشركات الدولية الكبرى.
وحددت هذه الدراسة حاجة السوق المصري إلى 980 مليار دولار تدفقات استثمارية أجنبية سنويا لتحقيق معدلات نمو مستدام لا تقل عن 7% سنويا لذا من الضروري إفساح المجال للقطاع الخاص للقيام بدوره عبر رفع نسبة مشاركته في الاستثمارات إلى 80% مع جذب شركات متعددة الجنسيات لضخ استثمارات كبرى في السوق المصري الذي يوفر فرص استثمار واعدة لهذه النوعية من الشركات العالمية.
هكذا ما يجب أن تكون عليه الأمور وأظن أن الدولة تحركت في هذا الاتجاه، لكن ليس بالسرعة ولا بالكيفية التي يمكن أن تحقق المستهدفات المطلوبة، وإذا ما أضفنا التطورات الجيوسياسية، التي مرت بالمنطقة خلال السنوات الماضية، يمكن التماس بعض الأعذار للحكومة في إخفاقها تحقيق ما وعدت به، لكن على قاعدة أن تأتي متأخرًا خير من ألا تأتي تجدد الحكومة الوعد، وتؤكد العهد بفتح الطريق أمام القطاع الخاص ليقود المسيرة مع قصر بقاء الدولة على القطاعات الإستراتيجية الحيوية، وضمان تحقيق الحياد التنافسي في السوق.
ولعل اعتراف الحكومة في صدر الإصدار الثاني للوثيقة بما يمكن تسميته بالتقصير في تحقيق مستهدفات الوثيقة الأولى، وإن كان ضمنيًا أو من بين السطور يعد بداية ربما تكون مؤشر جدية هذه المرة لتنفيذ مستهدفات الوثيقة؛ إذ إنها أعلنت أهمية تسريع وتيرة التخارج وفق أولويـات قطاعية واضحـة، وتحقيق جاهزية الأصول للطرح مع الاستفادة من التجربة في ضمان التنسيق المؤسسي بين الجهات المالكة والمنظمة، وكذا التأكيد على توافر مبدأ الإفصاح والحوكمة؛ وهي كلها مبادئ أساسية لا بد منها في إنجاح عملية التخارج
وإذا كانت لغة الأرقام خير معبر عن حقيقة التخارج، فإن إجمالي حصيلة صفقات التخارج طوال السنوات الماضية لم يتجاوز 5.86 مليار دولار قيمة 19 عملية تخارج وهي حصيلة ضئيلة لا تعبر عن حجم المستهدفات التي تسعى إليها الدولة من مشاركة القطاع الخاص، ولعل بقاء الدولة في العديد من القطاعات التي أعلنت عن تخارجها منها قد يفسر تدني حصيلة التخارج، بل إن هناك في بعض الحالات التي تتخارج منها تدخل من باب آخر باستثمارات ضخمة؛ سواء عبر شراكات أو من خلال تأسيس شركات جديدة؛ وهو ما يثير أيضًا تساؤلات حول جدية برنامج التخارج، فقد وعدت في وثيقة 2022 بالتخارج من قطاعات زراعية وصناعات تحويلية، إلا أنها لا تزال باقية في القطاعات التي قالت إنها ستتخارج منها للقطاع الخاص، وفي مقدمتها حسب ما جاء في الوثيقة مشروعات الاستزراع السمكي والثروة الحيوانية والمحاصيل البستانية، وكذا أنشطة التشييد والبناء وصناعات الجلود ومنتجات الأخشاب والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات وتصنيع الحاصلات الزراعية وصناعة الألبان والملابس الجاهزة والمفروشات وغيرها من قطاعات تمتلئ بها القائمة.
المؤكد أن دخول القطاع الخاص بقوة لم يعد خيارًا أمام صعوبات اقتصادية تتفاقم يومًا بعد آخر؛ نتيجة تدني الاستثمار الخاص، ولا يكفي أن تعلن الحكومة أن خطتها في الوثيقة رفع معدل مشاركة القطاع الخاص من 56% حاليًا إلى 65% خلال 3 سنوات؛ فالأمر يحتاج إلى إجراءات حاسمة وتعديلات تشريعية عاجلة؛ لفتح الأبواب أمام المستثمرين مع وجود برنامج واضح للتخارج، وأهداف محددة لطرح الأصول وفق قواعد للحوكمة تحقق أعلى العوائد، فقد توقفت أمام نص ورد في الإصدار الثاني للوثيقة؛ حيث حدد نطاق تطبيق سياسة ملكية الدولة للأصول على نحو شامل ومتكامل؛ بحيث يمتد ليشمل التخارج من كافة الأصول والشركات التي تمتلكها الدولة كليًا أو جزئيًا، أو تسهم في رؤوس أموالها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وربط عوائد التخارج بخفـض المديونية وهو توجه محمود، بعد أن أصبحت قضية الديون من أخطر التحديات الاقتصادية التي تتطلب حلولاً عاجلة.
وفي ظل حوكمة عادلة للأصول المطروحة يمكن تحقيق حصيلة معتبرة تنهي هذا الدين؛ بل ويوجه جزء منها للاستثمار وتخفيف الأعباء عن المواطنين، فقد حددت الوثيقة نطاق الأصول التي تستهدف الدولة التخارج منها في قطاعات مهمة تثير شهية المستثمرين؛ حيث شملت المطارات والبنوك والاتصالات وقطاعات السياحة والبتروكيماويات، وصناعة السكر، والكهرباء بمجالي النقل والتوزيع والعقارات والتعدين، وهي كلها أصول رابحة وواعدة وذات قيمة عالية طالما يتسابق عليها المستثمرون.
.. في الختام يمكن القول إن قضية التخارج وإفساح المجال للقطاع الخاص من القضايا المهمة التي تستحق النقاش المجتمعي الجاد، والمساندة التي تعلي من قيمتها كخيار لا بديل عنه في توفير حلول ناجزة لأزمات اقتصادية مزمنة تراكمت عبر عقود، ولم تعد قابلة للاستمرار في ظل تطلع أجيال صاعدة تحلم بحياة كريمة.
لكن يبقى السؤال:
هل الدولة بالفعل جادة في التخارج؟ ربما.
[email protected]