لو أخبرني أحد قبل ثلاثة عقود أنه سيأتي يوم أحمل فيه جهازًا لا يكتفي بإجراء المكالمات وإرسال الرسائل، بل يتيح لي قراءة الكتب، وترجمة اللغات، والتقاط الصور، ومشاهدة الأفلام، والحصول على استشارات طبية أولية، والتعلم من أفضل جامعات العالم، لظننت أن امتلاك مثل هذا الجهاز سيكون حكرًا على الأثرياء.
لكن ملايين البشر يحملون اليوم مثل هذا الجهاز في جيوبهم.
فإذا كان سعر هذا الهاتف أعلى مثلا بنسبة 30% من سعر هاتف قبل ثلاثين عامًا، فهل نسمي ذلك تضخمًا؟ أم أن السؤال الأهم هو: ماذا نحصل مقابل هذا الثمن؟
في الماضي غير البعيد، كان سؤال طبي بسيط يستدعي زيارة مكلفة إلى طبيب، والبحث عن معلومة ما قد يستغرق ساعات من البحث بين الكتب والمراجع، وترجمة مقال تحتاج مترجمًا محترفًا. أما اليوم، فقد أصبح جزء من هذه الخدمات متاحًا بضغطة زر على هاتف محمول. ولهذا، عندما تخبرنا مؤشرات التضخم بأن الأسعار ارتفعت، فلا بد أن ننتبه لتلك البديهية.
التضخم يقيس ما ندفعه، لكنه لا يقيس دائمًا قيمة ما نحصل عليه.
لقد خفضت التكنولوجيا تكلفة الوصول إلى المعرفة والمعلومات والخدمات بدرجة غير مسبوقة في التاريخ البشري. وربما كانت هذه واحدة من أكبر المفارقات في عصرنا. فقد يحمل الفقير في جيبه اليوم معرفة تفوق ما امتلكه ملوك وأباطرة قبل قرنين من الزمان، ومع ذلك يظل قلقًا من دفع إيجار الشهر القادم أو فاتورة الكهرباء أو تكلفة الغذاء.
ولهذا رغم أن التضخم أحد أكثر المؤشرات الاقتصادية استخدامًا، فهو أكثرها تعرضًا لسوء الفهم أيضًا. فحين ترتفع الأسعار، يفترض كثيرون أن الرفاهية تنخفض بالضرورة. لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالهدف النهائي لأي اقتصاد ليس الوصول إلى رقم معين للتضخم، بل تحسين حياة الناس. التضخم ليس غاية في ذاته، بل أداة من أدوات القياس. أما الغاية الحقيقية فهي مجتمع أكثر رفاهية، وأكثر قدرة على توفير السكن والغذاء والتعليم والرعاية الصحية والفرص لمواطنيه.
وهنا يبرز السؤال: هل ما زالت أدوات القياس التي ورثناها من القرن العشرين قادرة على وصف اقتصاد القرن الحادي والعشرين؟
يقيس التضخم في صورته المبسطة تكلفة سلة من السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن العادي: الغذاء، والسكن، والصحة، والتعليم، والطاقة، وغيرها. فإذا ارتفعت تكلفة هذه السلة قيل إن التضخم ارتفع، وإذا انخفضت قيل إنه تراجع.
لكن ما يبدو بسيطًا على الورق يصبح أكثر تعقيدًا في الواقع.
فخلال العقدين الماضيين تغيرت بعض هذه الخدمات بصورة يصعب اختزالها في رقم واحد. في مجال الصحة مثلًا، لم يعد كل سؤال طبي يستدعي زيارة عيادة، ولم تعد كل قراءة أولية لأشعة أو تحليل تتطلب بالضرورة وجود متخصص. وفي التعليم أصبحت مكتبات العالم ومحاضرات أفضل الجامعات متاحة بضغطة زر، بعد أن كانت حكرًا على من يملك المال أو القدرة على السفر.
لكن هذه ليست سوى نصف القصة.
فالسكن ما زال مرتبطًا بأرض محدودة لا يمكن مضاعفتها ببرنامج حاسوبي. والغذاء لا يزال يحتاج إلى أرض ومياه وطاقة ونقل وتخزين. أما الكهرباء والوقود، فعلى الرغم من التقدم الكبير في الطاقة الشمسية ومصادر الطاقة المتجددة، فإن الاقتصاد العالمي ما زال يعتمد بدرجة كبيرة على مصادر الطاقة التقليدية.
وهنا ينقسم الاقتصاديون والمفكرون إلى معسكرين.
يرى المتفائلون بالتكنولوجيا، ومن بينهم أصوات بارزة في وادي السيليكون مثل مارك أندريسن، أن الذكاء الاصطناعي قد يقود إلى موجة جديدة من الوفرة الاقتصادية. فكلما ارتفعت الإنتاجية وانخفضت تكلفة المعرفة والخدمات، أصبحت المجتمعات أكثر قدرة على إنتاج المزيد بموارد أقل. ومن هذا المنظور، قد يصبح التركيز المفرط على أرقام التضخم نوعًا من النظر إلى المرآة وتجاهل المشهد بأكمله.
أما المعسكر الآخر فيرد بأن الإنسان لا يعيش على التطبيقات وحدها. فما يحدد مستوى معيشة الأسر، خصوصًا الفقيرة منها، هو ما تدفعه مقابل السكن والطعام والطاقة والنقل. وإذا ظلت هذه البنود تلتهم الجزء الأكبر من الدخل، فلن تغير وفرة المعلومات كثيرًا من الواقع المعيشي، مهما بلغت ثورة الذكاء الاصطناعي من تقدم.
وربما لهذا السبب لا يدور الجدل الحقيقي حول أرقام التضخم نفسها، بل حول السؤال الذي يقف خلفها: ماذا نحاول أن نقيس أصلًا؟
هل نحاول قياس الأسعار؟ أم نحاول قياس الرفاهية؟
فإذا كانت الغاية النهائية للاقتصاد هي تحسين حياة البشر، فإن التضخم يظل أداة مهمة، لكنه ليس الغاية نفسها. إنه أشبه بمقياس الحرارة؛ يخبرنا بشيء مهم عن حالة المريض، لكنه لا يخبرنا بكل شيء.
وربما تكمن مفارقة عصر الذكاء الاصطناعي في أننا أصبحنا أكثر ثراءً من حيث المعرفة، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات والخدمات، بينما ما زلنا نكافح الأسئلة القديمة نفسها: أين نسكن؟ وماذا نأكل؟ وكيف نوفر الطاقة التي تقوم عليها حياتنا؟ وبين هذين العالمين، عالم الوفرة الرقمية وعالم الندرة المادية، يدور الجدل الحقيقي حول معنى الرفاهية في القرن الحادي والعشرين.