آلمني مشهد الطفل الذي أتى به خاله، ورفض والده استلامه، فوقف الطفل حائرًا؛ الأب ينهره، والخال يخلي مسئوليته منه؛ لأن والدته تزوجت بعد الطلاق بآخر.
حتى جدته هي الأخرى تقول: "روح لأمك". كان المشهد مؤلمًا، واستدعى طرح عشرات الأسئلة: هل أصاب المجتمع جحود؟ نعم، هناك جحود متفشٍ في كثير من الأسر؛ أبناء يقهرون آباءهم وأمهاتهم، وأزواج يكتشفون أنهم يعيشون حياة زوجية بلا مشاعر. ولا ندرك أننا أمام مرض واكتئاب، فمن بين تلك الأسئلة التي تُطرح كثيرًا: لماذا نصاب بالاكتئاب؟ سؤال قد يبدو عاديًا، وستجد له مائة إجابة، بل قد تجد من يقاطعك مستعينًا باقتباسات دينية ليتهمك بأنك بعيد عن الله. وعبارة أن معظمنا لديه مشكلات نفسية، ولكن بدرجات، حقيقة لا يجب إنكارها. وإلا فما السبب، مثلًا، في زيادة حالات الطلاق والخلع والأزمات الأسرية والانفصال المفاجئ؟ نعلقها كثيرًا على شماعة الظروف الاقتصادية، وقد تكون ضمن قائمة أسباب متعددة، لكنها ليست دائمًا السبب الذي يُذكر في مثل تلك الحالات.
يزعجني، مثلًا، أن من بين عشرة أخبار تتصفحها، حتى على السوشيال ميديا، حتمًا ستجد حالات طلاق أو خلع أو انفصال هادئ كما يقولون، أو أن سيدة تحتفل بطلاقها على طريقتها الخاصة في الشارع، هكذا تصدّر خبر في مواقع كثيرة منذ أيام.
ما السبب؟ هل هو اكتئاب الزوجين أو الحبيبين؟ أم أن شيطانًا مختبئًا بين أفراد العائلة الواحدة راح يعبث في مفاصل تلك العلاقات ليستمتع هو بإشعال الفتن، رجلًا كان أو امرأة؟
مؤكد أن معظم حالات الطلاق يكون السبب فيها الطرف الثالث، والطرف الثالث عادة من المقربين بدرجات.
تبدأ الحكايات بزيارات وود، ثم تبدأ مخططات الفتك بالبيوت، لتصبح كلمة "أنت طالق" هي المنغص على تفكير الرجل، يرددها بينه وبين نفسه، ويتمنى لو تتم في هدوء؛ لأن مشاعره انتُزعت منها السكينة.
ما نواجهه في المجتمعات الشرقية فعل كارثي. ليس من المعقول أن إجمالي حالات الطلاق التي تحدث من خلال القضاء فقط بلغ 14 ألفًا و195 حكمًا، منهم 11 ألفًا و906 أحكام بسبب الخلع بنسبة 4.3% من إجمالي عدد حالات الطلاق عام 2024، وليس من إجمالي أحكام الطلاق النهائية.
هذه النسبة، التي لم يكن يعرفها المجتمع المصري، مخيفة، وتحتاج إلى دراسات مجتمعية، بل علينا أن نعيد النظر في أسباب تنامي تلك الظاهرة. عدد حالات الخلع في تزايد مستمر، والقوانين في رأيي لا تحول دون زيادة تلك الحالات، سواء الطلاق أو الخلع. والأزمة في الضحايا؛ فلا توجد حالة واحدة دون ضحية، حتى وإن لم يكن بينهما أبناء. الضحية أن أمراضًا مجتمعية تفتك بالآخرين وبقية أفراد الأسرة. كيف تصبح حالات الطلاق هي الملف الأخطر في المحاكم المصرية، وبخاصة محاكم الأسرة؟ ناهيك عن القضايا التي لا تنتهي بالطلاق فقط، بل تتحول إلى جرائم قتل وإصابات بعاهات، وضرب مبرح من أحدهما أو من بقية العائلة.
قبل أن نبحث عن القوانين، علينا أن نبحث في علاج المجتمع من أمراضه، التي عادة لا يمكن علاجها بالعموم، طبعًا، بل بالتوعية وحصار تلك المشكلات، بأن تكون بالمحاكم مكاتب للحل الودي، أو محاولات للبحث لدى علماء نفسيين أو أطباء، لتحذير طرف ما من الإقدام على تجربة يكون السبب فيها شياطين دخيلة.
وقد كررت كلمة "شياطين دخيلة" لأن ما أسمعه من خلافات يومية في عربات المترو، دائمًا ما يكون السبب خلافات اصطنعتها الأم أو الأب أو الأخت أو أحد أفراد العائلة. أحدهم قال بصوت عالٍ في عربة مترو لزوجته: "خلي أمك تنفعك"، وكررها ثلاث مرات، ثم قال: "خلصتي؟ خلصتي؟ إنتِ طالق يا هانم".
مؤكد أن مرضًا نفسيًا أصاب المجتمع، فأصبحت فكرة تفكيك العائلة الواحدة هاجسًا مخيفًا، يسهم في ضياع مستقبل الأبناء بل ومستقبل عائلة كاملة.