انتهت الحرب فارتفع الصياح!

20-6-2026 | 10:04

وقعت واشنطن وطهران مذكرة تفاهم، وعاد الساسة يتبادلون الابتسامات الدبلوماسية الفاترة بعد أن تبادلوا الصواريخ والقنابل.. 

هدأت المدافع، وانخفضت أسعار النفط، وعادت السفن تتأهب للعبور، بينما بقيت علامة استفهام كبيرة معلقة في سمائنا العربية ماذا حدث لنا نحن؟

ليس سؤالاً عن المنتصر أو المهزوم، فالحروب الحديثة لم تعد تعرف هذا التصنيف القديم.. الجميع يرى نفسه منتصراً، والتاريخ دائماً ما ينحرف تجاه من يملك قوة القلم كما امتلك قوة الردع.. وأن ما سيجري على الأرض بمستقبل الأيام هو الذي سيؤكد مزاعم النصر والهزيمة..

غير أن السؤال الأهم عندي وعند غيري من المهتمين بالشأن الصحفي والإعلامي كيف تحول الإعلام العربي، في أول حرب إقليمية كبرى بعد اكتمال عصر وسائل التواصل الاجتماعي، من ناقل للأحداث إلى أحد أطرافها؟ وكيف أصبح صانعاً للأوهام أكثر منه شاهداً على الوقائع؟

لقد أثبتت هذه الحرب حقيقة قاسية؛ أن كثيراً من المؤسسات الإعلامية العربية لم تعد تملك بوصلة أو رؤية واضحة أو إستراتيجية راسخة، إنه إعلام رد الفعل!

أغلب المؤسسات الإعلامية الضخمة المنتفخة لم تنتظر خبراً مؤكداً، ولم تتحقق من صورة، ولم تسأل عن مصدر مقطع فيديو، بل انخرطت في سباق محموم لحصد المشاهدات والإعجابات والمشاركات، حتى بدا وكأن الحقيقة نفسها تاهت وضلت طريقها للناس.

وحين وقعت مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية، اكتشف كثير من المتابعين أنهم كانوا يعيشون داخل روايات متناقضة، وأن ما قيل لهم طوال أيام الحرب لم يكن سوى أوهام وضلالات وأكاذيب ودعايات فارغة لهذا الطرف أو ذاك!
 
السقوط في معركة الإعلام

قد يقول قائل إن الإعلام مارس الدعاية في كل الحروب، وهذا صحيح، وإن كان مذموماً.. 

لكن الفارق أن الحرب الحالية لم تكن معركة بين جيوش فقط، بل بين خوارزميات أيضاً.. وتعالوا نستمع إلى ما تقوله الأرقام..
وفق الإحصاءات الدولية، يستخدم أكثر من خمسة مليارات إنسان وسائل التواصل الاجتماعي، أي ما يزيد على ستين في المائة من سكان العالم.. 

وفي المنطقة العربية وحدها، أصبحت الهواتف المحمولة هي المصدر الأول للأخبار عند قطاع واسع من الشباب؛ معنى هذا أن معركة المعلومات باتت أسرع كثيراً من حركة الدبابات والطائرات؛ فخلال دقائق من وقوع أي حادث، تنتشر آلاف الصور والمقاطع، بعضها حقيقي وبعضها قديم وبعضها مصنوع بالكامل بتقنيات الذكاء الاصطناعي.. 

لذا لم يعد السؤال هل وقع الحدث؟ بل أي زاوية من الحدث ستصل إلى الناس أولاً؟ الزائفة أم الصادقة؟! وفي هذه الحرب، لم يكن الجمهور العربي يتلقى الأخبار من وكالة واحدة أو قناة واحدة، بل من مئات الحسابات ومنصات المؤثرين، أكثرهم لا يعرف شيئاً عن قواعد العمل الصحفي، لكنهم يملكون قدرة هائلة على التأثير! 

هكذا، دخل الإعلام التقليدي في منافسة حتمية خاسرة مع السوشيال ميديا، وبدلاً من أن يتمسك بمعاييره المهنية، قرر أن يقلدها، فخسر ميزته الوحيدة، وهي الصدق والحياد.
 
ضحايا المعركة!

قديماً كان الإعلام العربي يقدم نفسه باعتباره سلطة رابعة، مهمتها مراقبة السلطة السياسية وكشف الحقائق للجمهور.. لكن الحرب الأخيرة كشفت أن شطر الإعلام تحول إلى بوق دعائي كبير لا يعبأ بالمصداقية؛ فبدلاً من أن يسأل ماذا حدث؟ صار يسأل ماذا نريد أن يحدث؟ وبدلاً من البحث عن الحقائق، أمسى يبحث عن الرواية التي تناسب جمهوره أو مموله أو مصلحته!

بعض الشاشات اعتادت الاحتفال بكل ضربة وكأنها نصر مؤزر، وشاشات أخرى تعلن انهيار الخصم كل ساعة! ومع كل خبر عاجل، كانت خرائط المنطقة تتغير عشر مرات في اليوم الواحد، ثم جاءت السياسة لتمحو المعادلة الإعلامية من أساسها.. حيث جلس الخصمان واحتضنت أقلامهما مذكرة التفاهم التي فضحت كل ما سبقها من زيف وضلالات.. عندئذ وجد الإعلاميون أنفسهم أمام معضلة صعبة كيف يمكن تفسير هذا التحول السريع لجمهور قيل له إن الحرب وجودية وإن التراجع مستحيل وإن التسوية خيانة؟

لعل ضحايا الحرب لم تقتصر فقط على الدماء التي سالت والمنشآت التي سقطت والقطع الحربية التي دمرت، وإنما عقول نصف مليار عربي تعرضت لأكبر حملة تضليل كبرى متعمدة! 

حرب غدا فيها المشاهد العربي يتلقى مئات الرسائل المتناقضة كل يوم خبر عاجل ينفيه خبر عاجل مضاد! صورة صادمة يتبين أنها من حرب قديمة! فيديو ينتشر ثم يكتشف الناس أنه صيغ بالكامل بالذكاء الاصطناعي! تصريح يعلن ثم يكذب بعد ساعات!

مع الوقت، فقد الإنسان العربي ثقته بالجميع.. تلك أخطر نتائج الحروب الإعلامية.. لأن المجتمع الذي لا يثق في إعلامه يصبح فريسة سهلة للشائعات والدعاية الخارجية.

لقد كشفت الحرب أن المشكلة ليست في وجود انحياز سياسي، فهذا أمر طبيعي، وإنما في غياب الحد الأدنى من المهنية.. فالإعلام المحترف لا يطلب من جمهوره أن يحب هذا الطرف أو يكره ذاك.. إنما يطلب منه أن يعرف، أن يفهم، أن يملك المعلومات الكافية لاتخاذ موقفه بنفسه.
 
سياسة تحويل المسار

لا يمكن لنا أن نتصور أن نظل على هذا النهج، ثم ننتظر أن نكسب معركة الإعلام!

إن أخطر ما أنتجته الحرب الأخيرة ليس حجم الدمار المادي فقط، بل التآكل البطيء في الثقة.. ذلك الرصيد الذي تستغرق المؤسسات الإعلامية سنوات طويلة في بنائه، قد تخسره في أيام معدودة.. فالناس قد تغفر الخطأ، لكنها لا تغفر الخداع المتعمد.. وقد تتسامح مع اختلاف الرأي، لكنها لا تتسامح مع تزوير الوقائع.. 

ولا شك أن الاستمرار في هذا النهج القائم على التعتيم وإثارة الغبار والانحياز الأعمى، يشبه بحاراً يثقب سفينته بيده، معتقداً أنه سيغرق منافسيه، قبل أن يكتشف أنه على وشك الهلاك والسقوط الذي لا رجعة بعده.. 

ولعل أكبر خسارة للإعلام العربي اليوم أنه لم يعد ينافس أنداده التقليديين، بل ينافس هاتفاً صغيراً في يد مواطن عادي؛ فإذا أخفت قناة خبراً، وجده المتابع بعد دقائق على منصة أخرى.. وإذا بالغت صحيفة في رواية ما، وجد القارئ عشرات الروايات البديلة.. وإذا كذبت مؤسسة إعلامية، فلن يكون خصمها مؤسسة أخرى، بل ملايين المستخدمين القادرين على كشف التناقضات وحفظها واستعادتها في أي وقت..

لقد انتهى عصر احتكار المعلومة إلى غير رجعة، ومن لا يدرك هذه الحقيقة، يكتب شهادة وفاته المهنية بيده!

درس علينا أن نعيه

إن وظيفة الإعلام ليست دفع الأدرينالين في دماء جمهوره، بل أن يزيد المعرفة في عقولهم.. ذلك أن الدول لا تعيش بالشعارات، ولا تدار بالهتافات، ولا تخوض حروبها من أجل القصائد والخطب الرنانة.. ولعل هذه الحرب تغدو فرصة لإعادة اكتشاف الوظيفة الحقيقية للإعلام.. ثمة دروس علينا أن ندركها ونستوعبها..

أول الدروس أن الإعلام ليس جيشاً احتياطياً لأي دولة أو حزب أو جماعة. إن وظيفته تكمن في التحليل لا التحريض، وفي التفسير لا التعبئة، وفي نقل الوقائع لا اصطناعها..

ثاني الدروس أن السبق الصحفي لم يعد قيمة مطلقة. لقد أصبح الخبر يصل إلى الجمهور قبل أن تفتحه غرف الأخبار أصلاً.. أما القيمة الحقيقية، فهي في التحقق والتحليل والتفسير؛ لم يعد الناس بحاجة إلى من يخبرهم أن انفجاراً وقع؛ بل إلى من يشرح لهم لماذا وقع، وما نتائجه، وما الذي قد يحدث بعده.

ثالث الدروس أن الاعتراف بالخطأ ليس هزيمة.. وفي العالم المتقدم، تخطئ الصحف الكبرى فتعتذر، وتنشر التصحيحات، وتتم مراجعة السياسة التحريرية عدة مرات، لا غضاضة في هذا ولا عيب. 

أما ثقافة المكابرة، والإصرار على الخطأ، فهي أقصر الطرق إلى فقدان المصداقية للأبد.

رابع الدروس أن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الصحفي المحترف، لا في المذيع النجم.. فالمستقبل لن يكون لمن يرفع صوته أكثر.. بل لمن يملك المعلومة الأدق، والتحليل الأعمق، والخبرة الأكبر.

درس أخير ومهم؛ أن الحياد الكامل قد يكون مستحيلاً، لكن العدالة المهنية ليست مستحيلة.. يمكن للصحفي أن يكون له موقف، لكن لا يجوز أن يكون له وقائع خاصة به، فالخبر شيء.. والتعليق شيء آخر، والخلط بينهما مرض خطير ينبغي أن نتقي عدواه.
 
ماذا سيبقي منا غداً؟

لو سألنا أنفسنا السؤال الأصعب كيف سيغدو شكل الإعلام العربي بعد عشر سنوات؟

فالجواب، في ظني، ليس متشائماً ولا متفائلاً، إنما هو جواب واقع سيسقط الإعلام الذي يعتقد أن الجمهور قاصر، أو الذي يعيش على الصراخ والتهجم، أو الذي يظن أن ذاكرة الناس قصيرة! 

أما الذي سيبقى، فهو الإعلام الذي يحترم عقل متابعيه، والذي يملك مراسلين حقيقيين، وخبراء حقيقيين، وبيانات حقيقية، والذي لا يخشى أن يقول لم نتأكد بعد.. وسيكون أكثر بقاء ذلك الإعلام الذي يدرك أن منافسته ليست مع القنوات الأخرى، بل مع الذكاء الاصطناعي والخوارزميات ومنصات التواصل الاجتماعي.. 

لقد انتهى زمن المذيع الذي يعرف كل شيء.. وجاء زمن الصحفي الذي يستطيع التحقق من أي شيء.. وانتهى زمن احتكار الخبر.. وجاء زمن احتكار الثقة؛ فمن يربح الثقة، يربح المستقبل.

ففي نهاية الأمر ليست القضية أن يربح إعلامي معركة على الشاشة، وإنما القضية أن يبقى هناك جمهور يصدقه غداً.. فالثقة، مثل الزجاج، قد تنكسر بضربة واحدة، لكنها لا تعود كما كانت أبداً.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: