شهادة الزور ودور وسائل التواصل الاجتماعي في زيادتها

20-6-2026 | 10:00

بحسن نية ودون تعمد إيذاء أي أحد وبهدف إبداء الرأي وأحيانًا نصرة "المظلوم" أو نشر الوعي بقضية ما؛ يشارك الكثيرون من الجنسين ومن كل الأعمار بإبداء الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي في أحداث ومواقف وقضايا بها تفاصيل "لا" يعرفون عنها أكثر مما تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي..

ويشتد "الحماس" أحيانًا ويتحول إلى معارك للانتصار على طرف دون الآخر، وكثيرًا ما يتم استخدام الشتائم والألفاظ المسيئة، وينشأ جدال يستهلك طاقات وأوقات "غالية" من العمر "ولا" يتنبهون إلى أنهم يلقون على أنفسهم ذنوبًا لا مبرر لها، وأشدها إيلامًا هي ارتكاب "كبيرة" شهادة الزور.

من شهادة الزور قول ما لا نعلمه وإن كان حدث بالواقع؛ فلا بد أن نكون قد علمنا ما حدث وتيقنا منه بأنفسنا قبل الحديث عنه؛ حتى لا نُلقي بأنفسنا في "ارتكاب" شهادة الزور.

قال رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه: "ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متكئًا فجلس وقال: وشهادة الزور، ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت".

نكاد نسمع من يعترض: وما شأن إبداء الرأي في وسائل التواصل الاجتماعي بشهادة الزور؟ نحن نعبر عن آرائنا؛ هل تطالبوننا بكتم الرأي في القضايا الاجتماعية؟ هل يجب الصمت إزاء ما لا يعجبنا؟ وماذا عن مقاومة المنكر باللسان؟
نرد بكل الاحترام: لا أحد "يجرؤ" أن يفكر بمنع غيره عن إبداء الرأي؛ ولكننا "نخاف" من عواقب عدم الانتباه لكوننا لا نعرف التفاصيل جيدًا في القضايا والحوادث والاختلافات بين الناس والتي "تشعل الترندات" كما يُقال..

وكثيرًا ما يظهر بعد فترة ما يثبت تعمد كذب طرف تمكن من "الاستيلاء" على عقول الكثيرين والكثيرات بعد "السيطرة" على العواطف بسرديات مؤلمة تضم مبالغات "مقصودة" بهدف التأثير على الوعي وبالتالي كسب التأييد..

ودومًا نوصي بحماية عقولنا بضرورة التمهل عند شدة تأثرنا بأي كلام وضرورة ألا نتسرع بالكلام أو بإبداء رد فعل ولا نتخذ قرارات، فغالبًا ما تكون خاطئة وندفع أثمانها لاحقًا، وما كان أغنانا عن ذلك لو تريثنا.

مع الأسف نلاحظ أن تسرع البعض بالدفاع أو إدانة ما قرأه أو شاهده على وسائل التواصل الاجتماعي؛ ولعل السبب الرئيسي يرجع لأنه يتبع ما "ينحاز" إليه في قناعاته ويقوم "بإسقاطها" على الحدث ويظلم نفسه دينيًا ودنيويًا..

الظلم الديني نعرفه من قول رب العالمين: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ".

أما الظلم الدنيوي، فإن من يتسرع بالحكم يحرم نفسه من التحرر من "سجن" الانحياز الذي يضع نفسه فيه وما يتبعه من تعصب وهو من أسوأ أعداء العقل والقلب؛ فيحرمه من اتساع الأفق ومن النضج ورؤية الواقع كما هو وليس كما يود رؤيته؛ وما يترتب على ذلك من أحكام خاطئة تؤذي صاحبها وتبعده عما يفيده، وتصيبه بالعناد وتصلب الرأي؛ مما يفسد علاقاته ويعطل نجاحاته.

يزداد الأمر سوءًا عندما يتعلق بأمور تخص العلاقات بين الجنسين وأمور الزواج؛ حيث يساهم التعصب في إشعال نيران الخلافات الزوجية بدلاً من السعي لتقليلها؛ مما يعود بالخير على الأسر وعلى المجتمع عامة والعكس صحيح.

نود أن نتذكر جميعًا أن شهادة الزور من الكبائر ويكفي أن الله عز وجل حذرنا من ارتكابها وربط بينها والشرك؛ ففي الآية الكريمة يقول رب العزة: "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ".

نتمنى تجنب الخطأ الشائع والمتزايد بشدة بسماع الحكاية من طرف واحد والتسرع بإصدار الحكم ونشره على وسائل التواصل الاجتماعي والسعي لإقناع الناس به!!

ونتساءل: ألا يكفي رصيدنا من الذنوب!! وكلنا نذنب فلسنا ملائكة؟ لماذا نثقل أنفسنا بخطيئة شهادة الزور؟  

لماذا لا "نتشبث" بقوة بالحديث الشريف: "من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه"؛ وبذلك نفوز بطاعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه وحماية أنفسنا من الانشغال بالآخرين والتفتيش عن أخطائهم، والسعي "الغريب" لإدانتهم والتأكيد على صحة انحيازنا وكأننا نحقق "انتصارات"!! مما يسرق منا بعض طاقاتنا وأعمارنا، والتي كان يمكن استغلالها فيما يفيدنا في الدارين، ولو بأخذ استراحة نفسية وجسدية من أعباء الحياة وضغوطها التي لا تخلو منها حياة؛ مما يساعدنا على التعامل الأفضل مع مشاكلنا وكلنا "نحتاج" إلى الاستراحة من وقت لآخر أليس كذلك؟

بدلًا من ذلك يضيع الكثيرون بعض الوقت وطاقاتهم في إثبات خطأ غيرهم ونقل ما يدعم وجهة نظرهم وتجاهل ما يخالفها، ويتسببون في "مضايقة" أصدقائهم على وسائل التواصل الاجتماعي لرؤيتهم التسرع في الإدانة، ومنهم من "يتورط" في الجدال وتتسع دوائر المشاحنات.

رأينا جميعًا عدة وقائع تم نشر صور لأشخاص وكلام مسيء عنهم وسرعان ما تنهال عليهم الشتائم، ويتسابق البعض في الدعاء عليهم، بالإضافة إلى التشهير الذي يؤذيهم هم وعائلاتهم، ثم تظهر براءتهم ولن يعوضهم أحد عن خسائرهم التي ضاعفتها تسرع بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي وشاركوا في ظلمهم والإساءة إليهم.

يظلم نفسه من لا يذكر نفسه بقول رسولنا الحبيب صلى الله عليه وسلم: "وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟".

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: