د.جيهان زكي.. ودور الحوار الوسطي في صناعة الوعي

20-6-2026 | 10:00

لم تعد الثقافة في مفهومها الحديث مجرد كتب تُقرأ، أو فعاليات تُقام، أو مسارح تفتح أبوابها للجمهور، بل أصبحت قضية ترتبط بشكل مباشر ببناء الإنسان وصناعة الوعي وحماية المجتمع من الأفكار التي تهدد توازنه وهويته.

ومن هذا المنطلق تكتسب رؤية وزارة الثقافة أهمية خاصة، عندما تضع الإنسان في قلب مشروعها، وتتعامل مع الثقافة باعتبارها طاقة قادرة على تشكيل الوجدان، وترسيخ قيم الحوار، ورفع قدرة المجتمع على مواجهة تحديات العصر.

وفي المائدة المستديرة التي حملت عنوان "دور الخطاب الوسطي"، التي عقدت مؤخرًا، بدا واضحًا أن حضور الثقافة لم يكن حضورًا تكميليًا، بل كان في صميم القضية؛ لأن الخطاب الوسطي لا يمكن أن يعيش في فراغ، وإنما يحتاج إلى بيئة ثقافية حاضنة، وإلى عقل قادر على الفهم، وإلى وجدان يعرف قيمة التنوع والجمال.

وقد حمل حديث د. جيهان زكي، وزيرة الثقافة، رسالة مهمة مفادها أن الوسطية ليست فقط مفهومًا فكريًا أو دينيًا، وإنما حالة من الاتزان الإنساني والثقافي؛ فهي قدرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الحفاظ على الهوية والتفاعل مع العالم.

هذه الرؤية تعيد التأكيد على حقيقة مهمة؛ وهي أن الثقافة ليست نشاطًا هامشيًا في حياة الأمم، بل هي إحدى أدوات قوتها الناعمة. فالأوطان لا تُبنى فقط بالمشروعات المادية، وإنما أيضًا بما تصنعه من وعي داخل الإنسان، وبما تمنحه لأبنائها من قدرة على التفكير والاختيار والتمييز.

ويمكن القول إن أهم ما يميز الرؤية الثقافية الواعية أنها تبدأ من الجذور، من الطفل والأسرة والمدرسة؛ لأن بناء الشخصية لا يبدأ عندما يكبر الإنسان، وإنما منذ اللحظة الأولى التي تتشكل فيها رؤيته للحياة والآخر والمجتمع. فالطفل الذي يتعرف على الفن والجمال والقراءة والحوار، يصبح أكثر قدرة على قبول الاختلاف وأكثر مناعة أمام الأفكار المنغلقة.

وبطبيعة الحال تجيء أهمية التكامل بين الثقافة والإعلام والتعليم والمؤسسات الدينية؛ فكل مؤسسة تمتلك جزءًا من مسئولية بناء الوعي. الثقافة تفتح نوافذ الإبداع، والإعلام يقدم المعرفة ويشكل الصورة العامة، والتعليم يؤسس العقل، والخطاب الديني الرشيد يعزز قيم الرحمة والتسامح.

إن مصر تمتلك خصوصية حضارية تجعل الحديث عن الوسطية مرتبطًا بتاريخ طويل من التعايش والتفاعل. فهذه الأرض كانت دائمًا مساحة التقاء بين الحضارات والثقافات، وهو ما يمنح الثقافة المصرية دورًا يتجاوز حدودها المحلية إلى تقديم نموذج قائم على الحوار واحترام الإنسان.

لكن التحدي الحقيقي اليوم هو الوصول إلى الأجيال الجديدة في ظل عالم رقمي ماراثوني، تتنافس فيه الأفكار والصور والرسائل على جذب العقول. وهنا تصبح مسئولية المؤسسات الثقافية أكبر؛ لأن المعركة لم تعد فقط حول تقديم المنتج الثقافي، بل حول كيفية جعل الثقافة قريبة من الناس، حاضرة في تفاصيل حياتهم، ومؤثرة في اختياراتهم.

ومن هذا المنطلق، فإن مشروع "الثقافة حياة" الذي أشارت إليه وزيرة الثقافة يحمل دلالة مهمة؛ فالثقافة عندما تصبح جزءًا من الحياة اليومية تتحول من نشاط محدود إلى أسلوب تفكير، ومن فعالية مؤقتة إلى وعي مستمر.

فالمجتمع الذي يقرأ، ويتذوق الفن، ويحترم الإبداع، ويؤمن بالحوار، هو مجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات وأكثر استعدادًا لصناعة المستقبل.

يرتبط دور وزيرة الثقافة في هذه المرحلة ليس بإدارة مؤسسات أو تنظيم فعاليات فحسب، بل يرتبط برؤية أوسع تقوم على استعادة مكانة الثقافة باعتبارها أحد أهم أدوات بناء الإنسان المصري. فالتنوير الحقيقي لا يأتي بقرار لحظي، وإنما بمشروع طويل النفس يؤمن بأن تغيير الأفكار هو بداية تغيير الواقع.

 إن الثقافة التي نحتاجها اليوم  يقينًا ليست ثقافة النخبة فقط، بل ثقافة تصل إلى كل بيت، وتخاطب كل عقل، وتمنح المجتمع القدرة على أن يرى نفسه بصورة أكثر وعيًا وثقة. فحين تصبح الثقافة حياة، يصبح الوعي حماية، ويصبح الإنسان هو المشروع الأكبر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة