إذا كان الاتفاق الأمريكى، الإيرانى قد ينهى عقودا من المواجهة بين الطرفين، فإن أهميته لا تكمن فى بنوده أو فى مكاسب كل طرف، بل فى السؤال: كيف ستكون إيران بعد الاتفاق؟ وهل نشهد بداية انتقال من مشروع ثورى ولد عام 1979، إلى مشروع دولة تسعى إلى الاندماج فى النظامين الإقليمى والدولي؟
على مدى ما يقرب من نصف قرن، بنت الجمهورية الإسلامية شرعيتها على ثلاث ركائز: الهوية الثورية، ومقاومة الهيمنة الأمريكية، وبناء نفوذ إقليمى خارج الحدود، لكن العقوبات الاقتصادية والضغوط الاجتماعية وتراجع مستويات المعيشة والصدامات العسكرية المتكررة، دفعت قطاعات متزايدة داخل إيران إلى التساؤل: ما الذى جناه الإيرانيون من كلفة المشروع الخارجي؟
فى هذا السياق، يبدو الاتفاق الجديد أكثر من مجرد معالجة للملف النووى أو فتح الملاحة فى مضيق هرمز، فالمعلومات حوله تشير إلى تصور أوسع يعيد ترتيب علاقة إيران بالعالم عبر رفع العقوبات، وإعادة الأموال المجمدة، وجذب الاستثمارات، وإعادة تأهيل الاقتصاد، وتأمين حركة التجارة والطاقة، إنها لغة تنتمى إلى منطق الدولة ومصالحها الاقتصادية أكثر مما تنتمى إلى خطاب الثورة التقليدي.
كما توحى التفاهمات الجديدة بتحول أمريكى من سياسة الاحتواء والضغط إلى محاولة دمج إيران داخل النظام الإقليمى باعتبارها قوة مؤثرة يمكن التفاهم معها، وإذا صح ذلك، فإن الشرق الأوسط قد يكون أمام مرحلة جديدة من بناء التوازنات الإقليمية.
هذا التحول ستكون له انعكاسات على ملفات المنطقة، إذ قد تواجه الأذرع المرتبطة بإيران مراجعات عميقة إذا أصبحت التنمية الاقتصادية والاستقرار الداخلى أولوية، وقد ظهرت بالفعل مؤشرات لذلك فى بعض الدول كما فى العراق.
لكن التحدى الأكبر يتعلق بطبيعة الشرعية السياسية داخل إيران، فإذا تحولت أمريكا من خصم دائم إلى شريك تفاوضي، فسيصبح السؤال: على أى أساس ستبنى شرعية النظام فى المستقبل؟
قد لا يعنى ذلك التخلى عن الإرث الثورى أو التحول إلى نموذج غربي، لكن من المرجح أن تبرز مصادر جديدة للشرعية، تقوم على النمو الاقتصادى وتحسين مستوى المعيشة والانفتاح على الأسواق والاستثمار.
لهذا قد تكون اللحظة الحالية بداية تحول تاريخى فى تعريف إيران لنفسها: من دولة ثورية تقوم شرعيتها على المواجهة، إلى دولة تسعى إلى النفوذ عبر الاقتصاد والتنمية والترابط الإقليمي.
ولطالما أثبت التاريخ أن الثوابت السياسية ليست بمنأى عن المراجعة، عندما تتبدل الظروف وتتغير أولويات البقاء والمصلحة.