في الأدبيات الغربية والدولية، تُوصف مجموعة الدول السبع الكبرى بأنها «مجلس إدارة العالم»، تدليلًا على مكانتها الرفيعة ودورها المهم في تسيير شئون عالمنا ومواجهة ما يصادفه من مشكلات وأزمات تعصف بأمنه واستقراره.
وأن تحرص المجموعة على توجيه دعوة لمصر، ممثلة في الرئيس عبدالفتاح السيسي، ضمن دائرة محدودة من القادة للمشاركة في القمة التي استضافتها مدينة «إيفيان» الفرنسية، فإن ذلك يحمل بين ثناياه دلالات ومعاني ينبغي التمهل أمامها لأهميتها البالغة. وبمقدورنا إجمال هذه الدلالات في أن مصر أصبحت شريكًا مؤثرًا لا غنى عن وجوده وحضوره من أجل استعادة الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
فمشاركة الرئيس السيسي لم تكن بروتوكولية أو عابرة، لكنها جسدت اعترافًا دوليًا لا تخطئه عين المتابع للأحداث، بأنه لا يمكن التحرك وسط ألغام ملفات الإقليم الشائكة والمعقدة دون الحضور المصري والإنصات إلى صوت مصر ورؤيتها الثاقبة والمتزنة لإيجاد حلول عملية وقابلة للتنفيذ.
وحينما نقول الإنصات إلى صوت مصر، فإن ذلك ليس من قبيل المبالغة أو البلاغة اللفظية، لكون مصر تمتلك خبرة تاريخية متراكمة في إدارة أزمات الشرق الأوسط، ولديها من الأدوات والقدرات ما يؤهلها للتصدي لها، بحكم متابعتها وتعاطيها معها منذ اللحظات الأولى لنشوبها في الماضي والحاضر، خصوصًا ما يتصل منها بالقضية الفلسطينية التي تُعد القضية المركزية في المنطقة. ولا يجادل سوى مكابر في محورية الدور المصري في تحقيق الاستقرار بالإقليم، وحجم ثقلها السياسي والدبلوماسي، ووزن قيادتها السياسية التي أثبتت، في كل المنعطفات والتحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، صحة وصواب ما طرحته من رؤى وتقييمات وتقديرات لعواقب ما يجري في الشرق الأوسط، لا سيما ما يتعلق منها بنتائج السياسات المندفعة والعنيفة للحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة برئاسة بنيامين نتنياهو.
ولطالما أكد الرئيس السيسي، في مناسبات ومواقف عديدة، أن الشرق الأوسط لن ينعم بالسلام والاستقرار إلا بالعثور على حل نهائي ودائم للقضية الفلسطينية، يرتكز بالأساس على إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية. والرؤية المصرية في هذا الخصوص شاملة، وتضع في حساباتها كل الشواغل المهددة للأمن والاستقرار الإقليمي، سواء ما يخص أمن الطاقة والممرات الملاحية، أو منع انتشار أسلحة الدمار الشامل، أو محاربة التطرف والإرهاب وتجفيف منابعهما.
أما الجانب الأهم، فيرتبط بالحفاظ على الدولة الوطنية ومؤسساتها الشرعية؛ فكم من دولة في منطقتنا عانت، ولا تزال تعاني، جراء تقويض دعائم وركائز الدولة الوطنية والسماح بظهور ميليشيات مسلحة كبديل عن قوات الجيش والشرطة، وشاهدنا كيف أن هذه الميليشيات كانت، ولا تزال، فيروسًا أصاب في مقتل جهاز مناعة الدولة الوطنية.
وخلال اللقاءات التي عقدها الرئيس السيسي على هامش قمة السبع، لمسنا عمليًا كيف ينظر الزعماء المشاركون إلى مصر بعين التقدير والاحترام. وتجلى ذلك بوضوح أثناء اجتماع الرئيس السيسي مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، الذي أبدى إعجابه الشديد بمواقف الرئيس السيسي والدور الذي لعبه من أجل التوصل إلى تهدئة من شأنها وقف الحرب ضد إيران، التي كانت لها تداعيات بالغة السوء على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار الطاقة، فضلاً عن تعطل مرور السفن عبر مضيق هرمز.
ومنذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ساندت مصر أشقاءها العرب وأدانت ما تعرضوا له من هجمات إيرانية استهدفت المنشآت الحيوية، من موانئ ومطارات ومحطات طاقة، فضلاً عن المناطق السكنية.
ونخلص من كل ما سبق إلى أن مصر باتت شريكًا مؤثرًا وفاعلًا في عملية صناعة القرارات المتصلة بالإقليم المأزوم، وأنها قادرة على القيام بجهد كبير للحفاظ على الأمن والاستقرار بعيدًا عن الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وأنها تُعلي من قيمة المسار التفاوضي لوضع حد للأزمات، وتنتهج سياسات تتسم بالنزاهة والمصداقية، وتتوخى حماية أمنها القومي بفضل ما يتوافر لها من ثقل وخبرة سياسية ودبلوماسية كبيرة.