لن أنسى حوارًا دار بيني وبين "فان شين" صديق من الصين، كنت قد التقيته في مؤتمر في موسكو.. منذ عدة سنوات، قال لي بصوت يملؤه الفخر: نحن عندنا قطار فائق السرعة، سرعته تتجاوز 400 كيلومتر في الساعة.
ثم قال لي مبتسما: "في الصين كل شيء أكبر وأسرع، حتى القطارات تقول لجارتنا اليابان: وداعا".
نظرت له فرأيته فخورًا، وسعيدًا وعيناه تلمعان وهو يتحدث عن بلده.. قلت لنفسي: يا سلام، لقد تجاوز التلميذ الأستاذ، وأصبح يعطي دروسًا في التقدم، والتكنولوجيا والسرعة لمن نعتبرهم قادمين من الفضاء الخارجي.
كان طوال الأسبوع الذي قضيناه معًا في المؤتمر عنده هاجس الخوف من الموت.. وعدم تحقيق أحلامه قبل سن الأربعين، قبل أن يمرض وتعتل صحته.
تذكرت كل ذلك الحوار وأنا على ضفاف النيل أحضر مع السفير الصيني بالقاهرة، لياو ليتشيانج احتفالية الصين بمرور 70 عامًا على العلاقات بين الصين ومصر.. ففي 30 مايو عام 1956، حدث شيء عظيم في تاريخ الحضارة بين الشعبين.. فقد رفعت مصر علم الصين في عواصم العالم، وقالت للعالم كله: "نحن مع الصين".
نعم، كانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. ولم يكن ذلك مجرد قرار سياسي، بل كان عشقًا حضاريًا بين نهر النيل ونهر اليانجتسي.
والآن تحتفل مصر والصين بمرور 70 عامًا على هذه القصة الجميلة.. سبعون عامًا ليست مجرد أرقام تتوارثها التقاويم، بل هي خيوط حريرية نسجتها الأيام بين حضارتين رأتا النهر قبل أن يرى الإنسان نفسه.
70 عامًا منذ أن مد النيل يده إلى اليانجتسي، فكان السلام.. في هذا الاحتفال الذي سموه «الشاي من أجل الوئام»، اجتمعنا على ضفاف النيل كما يجتمع العشاق القدماء بعد طول فراق.. وكان الشاي الصيني -ذلك الإكسير الأخضر الذي يحمل في طياته خبرة الحكيم الصيني الشهير- هو الوسيط الذي لا يخون.. إنه ليس مجرد شراب يُسكب في فناجين خزفية رقيقة كأنها أجنحة فراشات، بل هو فلسفة صينية سائلة تذيب الحدود بين الروح والجسد، وبين الماضي والمستقبل.
يحتفون به طوال وقت الاحتفال، وهناك خبراء يقفون بكل ذوق واحترام يعرضون لك وله أصنافًا وأشكالاً وفيديوهات عن أهم مناطق الزراعة والمقاطعات التي تشتهر به وحتى طرق تقديمه.. يقولون الشاي الصيني لمن يشربه: «اهدأ، فالزمن نهر، والنهر لا يعود إلى الوراء، لكنه يصل إلى البحر دائماً».
وأنا أنظر إلى السفير وهو يتحدث بهدوء، تذكرت أن الشاي عند الصينيين ليس ضيافة فقط، بل هو طريق إلى القلب.. يقابله طريق الحرير الشهير.. فكما أن المصري يستقبل ضيفه بالشاي الثقيل معه النعناع المنعش أو القهوة "المانو" في قهوة «الفيشاوي» العتيقة، يستقبل الصيني ضيفه بالشاي الأخضر الذي يروي عطش الروح قبل عطش الجسد.
وهكذا التقى الاثنان على ضفة النيل: فرعون يبتسم لتنين، وتنين ينحني احترامًا للأهرامات.. إن في «الشاي من أجل الوئام» سرًا عميقًا.. فالشاي يفرض نفسه، ويتسلل إلى روح الضيوف.. لأنه وجبة وتحية وتقدير.. وهكذا كانت العلاقات المصرية-الصينية: لم تكن صاخبة كالرعد، بل كانت هادئة كرقة صب الشاي في الخزف.
شرح القائمون أن أفضل أنواع أوراق الشاي تزهر في فصل الربيع مقاطعة آنهوي.. في تلك المقاطعة الخضراء، ظهرت 4 من أشهر 10 أنواع شاي في العالم، كما ولدت في مصر أفكار غيرت مجرى التاريخ.
الآن أريد أن أخبر صديقي الصيني أن قهوة الفيشاوي وغيرها من المقاهي في القاهرة القديمة، وفي كل ربوع مصر.. أضافت الكثير للشاي الصيني وحولته بطريقتها إلى شاي بالنعناع الأخضر، وصبغته بأسلوبها.. ومصر تصنف عالميًا بلدًا للشاي لا بلدًا للقهوة.
سبعون عامًا، وما زال النيل يجري، واليانجتسي يغني، والشاي يدور بين أيدينا بمزاج وحلاوة.. والحقيقة ليس الشاي وحده هناك ملايين من الصناعات الصينية تلف أيدينا هي الأخرى.
إكس: @ahmedtantawi