إن الدولة المصرية في جوهرها وتاريخها الممتد، ليست مجرد مساحة جغرافية تحدها خطوط طول وعرض على الخرائط، بل هي كيان حضاري راسخ، وهوية حية تمتد جذورها في أعماق التاريخ وتتجدد مع كل عصر، وحينما تمر دولة عظيمة بحجم مصر بمنعطفات حاسمة وسط محيط إقليمي مضطرب وحالة سيولة جيوسياسية، تهبها الأقدار عقولًا استثنائية تقف في خنادق الدفاع عن أمن الوطن بكفاءة وصلابة وعزم لا يلين، وفي طليعة هذه القامات الفريدة، تتبوأ الدكتورة فايزة أبوالنجا مكانتها كرمز لـ"سيدة الدولة" التي تجمع بين مرونة الدبلوماسية الحذرة، والصرامة الوطنية التي لا تقبل أنصاف الحلول أو المساومة على كبرياء الوطن.
لم تكن الدكتورة فايزة أبوالنجا يومًا مجرد مسئولة تنفيذية تدير حقيبة وزارية بشكل روتينى، بل كانت دائمًا تمثل رؤيتها بوصلة القرار الوطني، بالتأكيد في كل محفل أن مصر -بإرثها الحضاري وموقعها الحاكم- لا يمكن أن تكون مجرد متابع للأحداث، بل هي مركز التوازن في هذه المنطقة الحيوية من العالم، ولن يمرر فيها أي قرار يمس مصالحها القومية العليا، وأيضًا تظل شريكة في أي قرار يخص الأمن الإقليمي واستقرار منطقة الشرق الأوسط.
وقد تشكل وعي أبوالنجا المهني في مخاض معركتين عظميين أعادتا رسم حدود الجغرافيا والأمن فى وجدان الوطن؛ بدأت المحطة الأولى في ثمانينيات القرن الماضي، من خلال عضويتها في فريق ملحمة استرداد "طابا" عبر التحكيم الدولي (1984 - 1988) هناك، وفي مطبخ اللجنة القومية العليا في جنيف، وبين آلاف الخرائط، أدركت أن الحق الذي لا تسنده وثيقة موثقة هو حق يسهل ضياعه، فخرجت من هذه المعركة بإستراتيجية تجمع بين مرونة الأسلوب وصلابة الموقف.
هذه الندية في التعامل مع الأطراف الدولية، نقلتها لاحقًا إلى ملف الألغام الشائك في الساحل الشمالي الغربي (حدائق الشيطان) التي خلفتها الحرب العالمية الثانية؛ حيث رفضت أبوالنجا بمنطق حاسم وواضح أن تتحمل مصر فاتورة موت زرعته القوى الاستعمارية، وأدارت مواجهات شاقة مع الدول الكبرى متمسكة بمعادلة واضحة، "أنتم من زرعتم هذا الخطر، وعليكم تقع المسئولية القانونية والمالية لتطهيره"، ونجحت في تأسيس الأمانة التنفيذية لإزالة الألغام، لفتح آفاق التنمية؛ وما نشهده اليوم من نهضة عمرانية في مدينة "العلمين الجديدة" هو الثمرة المباشرة لتلك الجهود الشجاعة لتحويل رمال الموت إلى واحات للبناء.
إن اتساع رؤية أبوالنجا نبت في محراب السلك الدبلوماسي المصري عام 1975، وتطور إبان عملها مستشارة خاصة للدكتور بطرس بطرس غالي خلال توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة (1992 - 1996) عاصرت أبوالنجا كواليس القرارات الأممية الكبرى وإدارة الأزمات العاصفة، مما منحها قراءة عملية دقيقة لسيكولوجية القوى العظمى ومؤسسات التمويل الدولي، واستوعبت مبكرًا كيف توظف الشعارات البراقة كأدوات للضغط على الدول، وحين جمعتني بها لقاءات متعددة أثناء تغطياتي الصحفية، ولاسيما في سبتمبر 2009 خلال قمة الدول الإفريقية وأمريكا الجنوبية بجزيرة مارجريتا بفنزويلا، شاهدت بنفسي كيف تزن هذه السيدة كواليس العلاقات الدولية بميزان الجيوبوليتيك الحاد، وكيف تنظر إلى التحالفات بين الجنوب العالمي كأوراق قوة جديدة لمصر، إن ما تحظى به الدكتورة فايزة من تقدير واحترام عميق على كل المستويات سواء داخل أروقة الدولة المصرية بمختلف مؤسساتها، أو في عيون الدبلوماسيين الأجانب، لم يكن وليد الصدفة، بل هو نتاج طبيعي لعقلية تفاوضية نادرة تفرض احترامها على الجميع.
ومن هذا المنطلق، أحدثت تحولًا جذريًا عند توليها وزارة التعاون الدولي عام 2001، إذ رفضت أن تعامل مصر كمتلقٍ سلبي للمعونات، ودشنت فلسفتها القاطعة، "نحن لا نتلقى هبات، بل ندير شراكات دولية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل"، وحظرت مصر بناء على رؤيتها، فرض أي أولويات خارج الخطة الرسمية للدولة، ونجحت في تقليص "الشروط السياسية" للوكالة الأمريكية للتنمية، مما نتج عنه تحويل التمويل إلى مشروعات تنموية حقيقية تخدم المواطن في قطاعات المياه، التعليم، والصحة وغيرها.
وفي عام 2011، وقفت كحائط صد صلب أمام رياح عاصفة هددت مؤسسات الدولة، حيث رصدت تدفقات مالية ضخمة ومجهولة نحو منظمات غير حكومية تحت لافتات "دعم الديمقراطية"، وبشجاعة وطنية تقدمت بالوثائق للقضاء كاشفة خريطة التمويل المشبوه، ولم تثنها أو تهزها التهديدات الأمريكية العنيفة بقطع المعونات، بل ظلت متمسكة باستقلال القضاء وسلامة الوطن، معلنة أن أمن مصر خط أحمر وليس مجالًا للمساومة.
توج هذا العطاء في نوفمبر 2014، بتعيينها من قبل الرئيس عبدالفتاح السيسي مستشارةً لرئيس الجمهورية لشئون الأمن القومي، كأول امرأة تتولى هذا المنصب الحساس، ومن داخل هذا المطبخ السياسي، ساهمت في صياغة رؤية تقوم على "تعدد البدائل والدوائر المتوازنة"، وتوجيه البوصلة نحو الشرق الصاعد وروسيا والصين، واستعادة الحضور الفاعل عربيًا وأفريقيًا، مشرفة بصمت الكبار على ملفات بالغة الحساسية تمس حدود البلاد وأمن الطاقة في شرق المتوسط وغيرها من شئون الأمن القومي.
حين يكتب التاريخ قصة العبور المصري إلى مرفأ الاستقرار في القرن الحادي والعشرين، سيتوقف إجلالًا لأسماء صانت العهد، وفي صدارتهم ستبقى الدكتورة فايزة أبوالنجا رمزًا للمرأة المصرية العظيمة التي حملت حكمة الأجداد، وصلابة العقيدة الوطنية في أروقة الحكم، لتظل بوصلتها ويقينها: مصر أولًا، ومصر أخيرًا، ومصر دائمًا.