خلال الأيام الماضية نشرت وسائل الإعلام العالمية أن إيلون ماسك سوف يصبح أول تريليونيرٍ على وجه الأرض. الخبر رغم أنه يعكس مشوار رجل أعمال ناجح، إلا أنه يستحق التوقف أمامه طويلاً؛ فهذا الرجل كون ثروته الطائلة من الاستثمار في المعرفة.
تجربة إيلون ماسك تكشف تناقضات غريبة يجب الانتباه إليها، فكيف يحقق فرد ما عجزت عن تحقيقه عشرات الدول؟! أدوات ماسك هي أجهزة كمبيوتر، وشباب نابه طموح، ورؤية تعكس الإصرار على النجاح عبر نموذج يقوم على تحويل البحث العلمي إلى قوة إنتاج مباشرة، ليصبح الابتكار نفسه هو المنتج الاقتصادي الأساسي، وليس مجرد نشاط مواز.
هنا يثور التساؤل عن كيفية نجاح منظومات محدودة في تحويل المعرفة لثروات طائلة، بينما تعجز دول تمتلك مؤسسات علمية وبحثية عديدة عن تحقيق الأثر نفسه؟ مصر لديها قاعدة بحثية مؤسسية تضم جامعات، وأكاديميات، ومراكز بحوث، إضافة إلى آلاف الباحثين الشباب، ورغم ذلك لا تزال المخرجات أقل من المأمول بكثير.
يبلغ الإنفاق على البحوث، والتطوير في مصر حوالي 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2% بالصين و4% في كوريا الجنوبية. الفجوة التكنولوجية بيننا، وبين الدول المتقدمة لا تعود إلى مشكلات التمويل فقط، بل فلسفة إدارة المعرفة نفسها، فهناك دول تنفق أكثر ولا تحقق بالضرورة عائدًا مرتفعًا.
في الدول المتقدمة، ترتبط نسبة كبيرة من الأبحاث مباشرة بالصناعة، بينما في مصر يغلب الطابع الأكاديمي على الإنتاج العلمي، مع ضعف في تحويل النتائج إلى منتجات أو شركات ناشئة، كما تتشكل المنظومة البحثية عندنا من وحدات متعددة تعمل بشكل شبه منفصل.
الانتباه لتجربة إيلون ماسك، وغيرها من الشركات التي تزيد إيراداتها على الناتج الإجمالي لبعض الدول ربما تدفعنا إلى دراسة إنشاء كيان أعلى تابع مباشرة لرئاسة الجمهورية، أو مجلس الوزراء، بصلاحيات تنفيذية واضحة ليتولى تحديد الأولويات البحثية الوطنية سنويًا، وربط تمويلها بالأثر الاقتصادي لها، وفقًا لأولويات الدولة مثل المياه، الزراعة، الطاقة، الصحة، التكنولوجيا، وذلك من خلال صندوق وطني موحد يتم تمويله من مخصصات إلزامية للقطاع الإنتاجي الخاص والعام.
الكيان المأمول لا يعني إلغاء أي مؤسسة قائمة، بل تطويعها داخل منظومة واحدة، بدلاً من العمل كجزر منفصلة.
أزمة البحث العلمي في مصر ليست أزمة مؤسسات، أو عقول؛ بل أزمة مركز قرار موحد، فالمنظومة الحالية تمتلك المعرفة، لكنها تفتقر إلى جهة واحدة تمتلك صلاحية توجيه هذه المعرفة نحو أهداف اقتصادية، وتنموية واضحة.
القوة لا تقاس بوفرة المعرفة؛ بل بالقدرة على إعادة تنظيمها داخل اقتصاد متكامل، فالمنافسة اليوم لم تعد بين من يملك المعرفة، ومن يفتقدها؛ بل بين من يحولها إلى طاقة إنتاجية منظمة، ومن يتركها حبيسة الإطار الأكاديمي، وهذا ما أدركه ماسك وأمثاله.