«فلاش باك».. الثلاثاء 12 يونيو 1990.. ذلك المساء لا أنساه أبدًا، تملكتني مشاعر قوية، شديدة التضارب، ما زلتُ حتى الآن أستحضرها؛ الفرحة تعادل منتخب مصر لكرة القدم يومها مع هولندا في بطولة كأس العالم بإيطاليا، والحزن حد الغضب.. لأنني لم أشاهد المباراة من الأصل!
كان لديَّ في اليوم التالي امتحان مادة مهمة في الثانوية العامة. قررتُ أن أنام وقت المباراة لأواصل المذاكرة بعدها طوال الليل. لم أكن مقتنعًا بما فعلتُ لكنني فعلتُه تجنبًّا للوم الأهل.
استيقظتُ لأجد مصر كلها ترقص طربًا.. من شرفة بيتي بدا المشهد كالتالي: أعلامٌ ترفرف في الشوارع وأبواق مبتهجة تطلقها السيارات. تعادلت مصر في مباراة كبرى بعكس كل التوقعات.
استبد بي شعورٌ متناقضٌ بغيض ما زلتُ أعجز عن وصفه بالكلمات.
بعد ثلاثة أيام، وقفتُ كالعادة مع شباب الجيران عقب أداء صلاة الجمعة. تبادلنا الأحاديث التي كان عنوانها بالطبع: «ماتش هولندا». خجلتُ في البداية من قول إنني لم أشاهد المباراة حتى أفصحتُ أخيرًا لأحدهم. فوجئ بشدة لكنه راح يحدثني عما لم أحضره؛ الفرص الضائعة والهجمات والأداء القوي، ثم فاجأني هو بجملته: «احنا زعلنا أصلا لأننا ما كسبناش»!
الآن.. الإثنين 15 يونيو 2026.. انتهت منذ دقائق مباراة منتخبنا الوطني مع بلجيكا في منافسات كأس العالم الجارية حاليا في أمريكا بنفس نتيجة مباراة هولندا القديمة؛ التعادل بهدف لمثله. برغم الفرحة؛ لم أقل لابني وشقيقي اللذين شاهدا معي المباراة: «مبروك»..
لماذا؟!.. تذكرت جملة جاري الشاب القديمة قبل 36 سنة.. كنا نريد الانتصار.
في عصر الفيسبوك، لم أكن بحاجة لثلاثة أيام كاملة حتى أعرف آراء الناس.
بعد انتهاء اللقاء مباشرة قرأتُ أجمل تعليق لصديق، مسَّني وأيقظني أيضًا.
كتب الصديق الأديب خالد عبدالجابر على صفحته قائلًا: «احنا طالعين زعلانين من الماتش.. يا مصر بتعمليها ازاي؟!».
حقًّا؛ كيف انتقلنا هكذا سريعًا خلال تسعين دقيقة بين شعورين متناقضين؛ من الدعاء بعدم الخسارة بنتيجة مُخجلة إلى الحزن لعدم الفوز؟!
ساءلتُ نفسي والآخرين، ليس من باب الاستنكار، إنما محاولةً للفهم. وبعد أقل من ساعة زال الحزن.وبقيتْ في التاريخ والذهن النتيجة الإيجابية بتعادل منتخب مصر المصنف رقم 29 عالميًّا مع منتخب بلجيكا المصنف التاسع، الذي تراجع إلى التصنيف العاشر بعد المباراة.
نعم كنا نتمنى الفوز، لنحقق أول انتصار لنا في تاريخ مشاركاتنا في بطولات كأس العالم، وقد كنا نستحق ذلك بفضل أداء لاعبينا القوي وخطة حسام حسن المدير الفني الوطني، لكن لا مجال للحزن.. إنما هي الفرحة العارمة والتخطيط للمقبل بهدوء وثبات.
ما جرى هو شعورٌ طبيعيٌّ، هو انتقالٌ من اليأس إلى الرجاء، تحولٌ من التفاؤل الحذر - وكم تفاءلنا في الماضي وصُدِمنا- إلى الأمل في مواصلة الطريق، بقوة، بفضل الروح والتخطيط.
الكلمتان الأخيرتان معًا، هما سر الحكاية ومفتاح اللغز.. كان التخطيط دائمًا موجودًا فيما سبق، في ظل ضعف الإمكانات وغياب المنظومة الدافعة.
والآن؛ ماذا جرى؟!.. لا تزال إمكاناتنا كما هي، وحال منظومة الكرة نعرفها جميعًا.. فما الذي استجد؟!
الإجابة: حسام حسن.. ليس للأمر علاقة بحب أو كره. متى نتوقف عن تقييم الأمور - من السياسة إلى الفن إلى كرة القدم- وفقًا لهذا المنظور؛ المحبة والكراهية؟! تلك آفة حارتنا التي لا يطويها النسيان.. لكن لا بديل عن التغيير.
يُعرف حسام حسن؛ اللاعب التاريخي والمدرب الوطني؛ بروح الإصرار الرهيب على النجاح، ورفض الفشل بأي شكل، ربما أكثر مما يلزم، مما يدفعه أحيانًا إلى الجموح في سلوكٍ أو تصريح، لكن الأساس هو الإخلاص بجمال، هو الانغماس في محبة هذا الشعب الذي يختلط بدمه عشق كرة القدم، وكثيرًا ما قالها «حسام» في مختلف الفرق التي تولى تدريبها وهو يشير إلى الجماهير: «علشان الناس الغلابة دي تفرح».
وقد فرحنا بالفعل يا «حسام». فرحنا فرحةً خالصةً وما زلنا ننتظر المزيد، لأجلنا ولأجلك كذلك، أملًا في العودة إلى تسطير التاريخ. ربما أصابنا الحزن لدقائق، وعضضنا أصابع الغيظ المقيت لإضاعة أهداف لا تضيع، لكن لا بأس.. نعرف أن فريقك الجديد سيكون - في تاريخ مشاركات مصر في كأس العالم- أول جيل يحقق الفوز.
وبالعودة إلى الكلمتين مفتاح اللغز؛ الروح والتخطيط، وبعد أن لمسنا روح الإصرار وشاهدنا بأعيننا على الأرض الخطة والأفكار.
يبقى أن نقول إن المسار كله لا بد أن يستقيم، لا بد من العودة إلى الأصول.
الأصل، أن مدرب أي فريق هو المسئول، وهو صاحب القرار. من حق الكل؛ محللين وإعلاميين وجماهير، أن يقولوا آراءهم، أن يختلفوا، وقد يكون لي أيضًا آراء تختلف مع صاحب القرار، لكن ما يثير الاستغراب حد الحنق هو إصرار البعض على اليقين!
يقينٌ فارغٌ يتحدث به كثيرون في الخطة والتشكيل واختيارات اللاعبين، والدوافع النفسية الخفية في إبقاء هذا واستخراج ذاك من الملعب، حتى السخرية من تصميم شكل «فانلة» الفريق، دون شعور بالمسئولية أو مراعاة للواقع البغيض الذي يعمل المنتخب في ظله.
الواقع الواضح للكل يقول إنه لا منظومة كروية لدينا من الأساس، بينما تخطط دول قريبة منا لكرة القدم فيها منذ سنين، وهذا حديثٌ آخر مستقل قد يطول، لكننا هنا في مصر نسعى إلى اقتناص لحظة فرح، إلى انتزاع نجاح كروي ينبت من قاع بئر مملوءة بكل مقومات الفشل، كل مثبطات العزيمة، من تعصب كروي إلى هجوم شخصي، من مجاملات وحقد إلى مصالح متبادلة.
يعمل حسام حسن ورجاله وسط كل هذا، يعرفونه ويقاومونه، ويسعون برغمه إلى غرس فسيلة من السعادة في زمن عزَّ فيه الفرح، وطرح بذور مواهب جديدة، كي يأتي آخرون في زمن مقبل، يتولون رعايتها وريَّها، لأجل مستقبل هذا البلد، فلماذا لا نفرح ونأمل، ونتأمل وننتظر؟!
إنها خواطر ليلة مونديالية، تدرج فيها الشعور العام من الخوف والتفاؤل الحذر، إلى الفرحة والأمل، ثم الغضب لعدم اكتمال النصر، وصولًا إلى الابتهاج والسعادة لأقصى درجة.. ولا تسأل أبدًا: «يا مصر بتعمليها إزاي؟!».. فهذا هو الحال.