17-6-2026 | 11:48

في كل صباح، وقبل أن تمتلئ الشوارع بزحامها المعتاد، يخرج آلاف الأشخاص من بيوتهم حاملين أحلامًا صغيرة وكبيرة. بعضهم يبحث عن فرصة، وبعضهم يحاول الحفاظ على ما حققه، وآخرون يواصلون رحلة طويلة بدأوها منذ سنوات، مؤمنين أن الاجتهاد لا بد أن يُثمر يومًا ما.

يمضي العمر بين الدراسة والعمل والتدريب، وسنوات من السهر والتعب والقلق والتجارب القاسية. يسقط الإنسان مرة ثم ينهض، يفشل ثم يبدأ من جديد، يتنازل عن كثير من راحته ويؤجل رغباته، ويواصل السير وهو يظن أن الطريق مهما طال سيقوده في النهاية إلى ما يستحقه.

لكن الحياة لا تسير دائمًا بالمنطق الذي نتوقعه.
في لحظة كان ينتظرها منذ سنوات، يقف أحد المجتهدين أمام فرصة يظن أنها ثمرة كل ما بذله من جهد. كان يعرف تفاصيل عمله كما يعرف تفاصيل بيته، تعلم من أخطائه، وصبر على الصعوبات، وحمل أعباء لم تكن ضمن مسئولياته.

وعندما ينظر حوله، يجد أن سنوات الخبرة والكفاءة تجعله الأقرب إلى المنصب الذي شغر. لكن القرار يُحسم لاسم آخر.

اسم لم يكن الأكثر خبرة ولا الأكثر معرفة، لكنه يملك شيئًا آخر أكثر تأثيرًا في بعض البيئات: علاقات نافذة، وتوصيات، وأبواب تُفتح بسهولة لا علاقة لها بالاستحقاق.

في تلك اللحظة، لا يكون الألم في خسارة المنصب فقط؛ بل في اهتزاز الإيمان بعدالة الطريق نفسه، وكأن سنوات الجهد دخلت في منافسة غير متكافئة مع ما لا يمكن قياسه ولا التحكم به.

ومع ذلك، ليست المشكلة دائمًا في من يصل، بل فيما يحدث بعد الوصول.

في البداية يبدو كل شيء طبيعيًا: كلمات كبيرة، اجتماعات متكررة، ووعود بالتطوير، ثم تبدأ حول المنصب الجديد مجموعة من الأشخاص يجيدون التملق أكثر من إتقان العمل، يصفقون لكل قرار، ويمنحون الخطأ مبررات، وكأن الموافقة أصبحت معيارًا للولاء بدلًا من الصراحة.

ومع الوقت يبدأ التراجع: تتأخر الإنجازات، وتضعف الجودة، وتُتخذ قرارات لا تقوم على الخبرة بل على إرضاء الدوائر القريبة. 

وتنسحب الكفاءات تدريجيًا إلى الخلف، ليس لأنها فقدت قدرتها؛ بل لأنها فقدت الشغف بما تقدمه من قيمة.

لم يكن تراجع الأداء هو الخسارة الكبرى، بل الخسارة الحقيقية كانت في فقدان البيئة الصحية التي يشعر فيها الإنسان أن جهده يُرى، وأن صوته يُسمع، وأن ما يقدمه اليوم يصنع فرقًا في الغد.

وحين تصبح التكتلات والشلليات أقوى من الكفاءة، يبدأ الإحباط في التسلل بهدوء، ويتحول الموظف من شخص يبدع ويقترح ويشارك، إلى شخصٍ يؤدي الحد الأدنى فقط، لا لأنه أصبح أقل قدرة؛ بل لأنه أصبح أقل إيمانًا بأن قدراته ستُقدَّر أصلًا.

وتزداد المشكلة حين تتحول بيئة العمل إلى دوائر مغلقة من السرية غير المبررة، تُعامل فيها التفاصيل البسيطة كأسرار، وتُحاط المعلومات اليومية بالغموض، وكأن المعرفة أصبحت وسيلة للسيطرة لا أداة للإنجاز. وحين يدخل الخوف إلى العمل، يخرج الإبداع منه بهدوء.

ثم تظهر مشكلة أخرى أكثر عمقًا: هدم ما سبق. فكل مدير جديد يشعر أحيانًا أن أول خطوة لإثبات نفسه هي إلغاء ما بناه من سبقه، حتى لو كان ناجحًا. ليس لأن النظام القديم خاطئ؛ بل لأن الاعتراف بإنجاز الآخرين يبدو عند البعض تهديدًا لمكانتهم، فتُهدر خبرات متراكمة، وتُعاد التجارب من الصفر بصورة سطحية لا قيمة لها، وتضيع سنوات من التعلم تحت شعار التغيير والتطوير.


وفي وسط هذا كله تتكرر الأسئلة: لماذا تراجع الأداء؟ ولماذا اختفى الإخلاص؟ ولماذا أصبح العمل أقل قيمة رغم كثرة الخطط والتقنيات؟


والإجابة يعرفها الجميع، لكن قلة فقط الذين يعترفون بها.


كل شيء أصبح سريعًا في الحياة.. المعلومات، القرارات، الترقية، وحتى الأحكام على الناس. أصبحنا نستهلك الحياة كما نستهلك الوجبات السريعة: كثيرة ومباشرة، لكنها فقيرة في العمق..

في هذا المناخ تتراجع قيمة البناء الحقيقي: الخبرة، والصبر، والتدرج، والتعلم من الأخطاء.

ومع ذلك، يبقى هناك من يختار الطريق الأصعب؛ من يرفض التنازل عن قيمه، أو اختصار طريقه على حساب نزاهته، أو استبدال الجدارة بالمجاملة، هؤلاء قد يتأخرون أحيانًا، لكن تأخرهم ليس فشلاً؛ بل ثمن لشيء أكبر: الحفاظ على المعنى وسط تلك الفوضى.

فالواسطة قد تمنح منصبًا، والتملق قد يفتح بابًا، والعلاقات قد تختصر طريقًا، لكنها لا تصنع كفاءة، ولا تبني صرحًا أو تُزهِر يومًا أو تخلق قيمة تدوم.

لكن يبقى ما يتركه الإنسان من جهد وإبداع وإحسان هو الأثر الحقيقي، حتى عندما يبدو أن العالم يكافئ غير المستحقين!!

“ويبقى ما لا يُرى.. لأنه وحده ما يستحق البقاء.”

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة