دومًا ما كنا نكتب عن اللامعقولات بأسلوب فلسفي متخصص، وكنا نسمي العالم الآخر العالم الميتافيزيقي باللامعقول، أي الذي لا يستطيع العقل إدراكه إدراكًا وجوديًا ماديًا محسوسًا ملموسًا؛ لأنه خارج نطاق الذات الإدراكية العاقلة، والعقل إذا أقحم نفسه في معالجة قضاياه درسًا وتأملاً وبحثًا، فلن يجد شيئًا اللهم إلا إنه سيصاب بالضيق والقلق، وقد يؤدي به الشك إلى المرض والاضطرابات النفسية.
أما الآن ونحن نعيش في واقع متغير متسارعة وتيرته لا يثبت على حال، ولا يتركنا نهدأ قليلاً وننعم بالراحة الذهنية ولو لسويعات قليلات.
نعم نعيش عصرًا غريبًا سيطرت فيه النزعات المادية، وهاجمت وجودنا وقيمنا ومبادئنا بصورة فجة وبشعة تشمئز منها القلوب، وينفر منها كل حر قلق على وجوده ووجود أولاده وهوية مجتمعه.
هل معنى الانفتاح الذي حدث من جراء التقدم التقني والتكنولوجي وهيمنة السموات المفتوحة وثورة الإنترنت والرقمنيات والذكاء الاصطناعي، يجعلنا كل ذلك نتخلى عن هويتنا، عن ثوابتنا، عن قيمنا، عن عاداتنا، عن شرقيتنا، عن أصولنا، ونسعى سعيًا حثيثًا خلف الشهرة والجاه وجمع الأموال، وهوس ما يسمى بالترند.
هل يعقل أن يتصدر للفتوى شخوص بعينها لا تمت للفتوى بأية صلة، لا من قريب ولا من بعيد، هل يعقل أن يخرج على شاشات الفضائيات من يشكك في ثوابتنا، وفي سنة نبينا الكريم "صلى الله عليه وسلم"، ويفسر القرآن الكريم على هواه (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ)، فيقول لا يوجد في القرآن ما يفيد الصلاة على النبي "صلى الله عليه وسلم"، وأن ما ورد في القرآن الكريم ما هو إلا محض تفسير المفسرين.
وأين أنت من قوله تعالى: (﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، أليس هذا أمرًا من الله سبحانه وتعالى، يطالب فيه المؤمن بالصلاة على النبي، أين أنتم من حديث النبي "صلى الله عليه وسلم"، ( مَن صلى عَلَيَّ واحدةً ، صلى اللهُ عليه بها عَشْرًا).
أين نحن من حديث النبي "صلى الله عليه وسلم"، (أَكثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ يومِ الجمعةِ وليلةِ الجمعةِ فإنَّ صلاتَكم معروضةٌ عليَّ قالوا كيفَ تعرضُ صلاتنا عليْكَ وقد أرَّمتَ يعني بليت . قالَ إنَّ اللَّهَ حرَّمَ على الأرضِ أن تأْكلَ أجسادَ الأنبياءِ). ألسنا بهذه الصورة اقتربنا أو صرنا قاب قوسين أو أدنى من عالم اللامعقول.
نعم أمور مفارقة للعقول أن يكون أهل القبلة ممن شهدوا لله تعالى بالوحدانية ولرسوله بالرسالة هم الذين يتطاولون بهذه الصورة الفجة غير المعقولة على الدين، وكأنهم بصدد حرب يشنونها على الإسلام وعلى المسلمين، وكأن أيدٍ خفية تحركهم وتقودهم لهدم الدين، وهدم ثوابت الدين.
ثم ما يجعل المرء في حيرة من أمره ويقف وقفة متأنية أمام ما يحدث من انفلات قيمي، بدعوى الحرية، ما أثير مؤخرًا وملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، من محاولة شرعنة البغاء، واستخراج تصاريح لممارسة البغاء والزنا، ليس هذا فحسب؛ بل والاهتمام بمن يمارس هذه الجريمة وتقديم الرعاية الطبية والصحية.
ما الذي يحدث هل حقًا نحن في مصر، هل حقًا نحن في بلد يحافظ على دينه وعاداته وتقاليده، هل حقًا نحن نعيش في بلد الأزهر الشريف وأضرحة أولياء الله الصالحين؟!
ما الذي أصاب وطننا الحبيب، ما الخلل الذي أودى بنا إلى هذه الحالة المزرية التي حولتنا من حالة المعقولية إلى اللامعقولية.
إنها ظاهرة أو ظواهر لابد من البحث الحثيث اجتماعيًا ونفسيًا وأنثروبولوجيًا وثقافيًا واقتصاديًا عن الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار والتدني القيمي.
المسألة ليست قضية فتاة أثارت ضجة على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما قضية جيل بأكمله لابد من إنقاذه من الوقوع في شراك هذه البلايا، جيل كامل، سيُسأل عنه الجميع أمام الله سبحانه وتعالى، سيُسأل عنه الضمير الفردي أمام الضمير والعقل الجمعي.
نعم ضرورة ملحة التصدي بكل ما أوتينا من قوة لمثل هذه الأفكار اللامعقولة التي لا يقبلها أي عقل دراك وفهام، ضرورة ملحة من تصدي علماء الدين في دروسها وحلقات علمهم وخطبهم المنبرية إلى هذه الموبقات المهلكات التي تضرب المجتمع في صميمه وقيمه، فاليوم تحدثت واحدة، وغدًا ستتحدث أخرى، وبعد غدٍ ستتكلم أخريات… وهلمَّ جرا.
إلى أن تنتشر الفاحشة في المجتمع فيخرج من حيز المعقول إلى حيز اللامعقول.
وأخيرًا نذكر بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
كثيرة هي اللامعقولات التي لا يتقبلها العقل الحكيم السليم، لكن سنكتفي بهذا القدر.
أستاذ الفلسفة الإسلامية بآداب العاصمة ورئيس القسم السابق