طشقند وإن طال السفر؟!

17-6-2026 | 11:57

للمرة الأولى أشعر بأنني أعود إلى قطعة من روحي، ولا أدري سر هذه اللهفة، ولربما تسبب صديقي د. أحمد عبده طرابيك المولع والمتخصص في منطقة آسيا الوسطى، والذي طالما شجعني على الذهاب إلى أوزبكستان، وتحدث معي كثيرًا عن تاريخها، وكيف أنها تشبه مصر في عمقها التاريخي، وريادتها في منطقتها.

وفي الوقت ذاته فإن الكاتب الكبير محمد سلامة، زميل دفعتي بكلية الإعلام، ورحالة آسيا الوسطى منذ أن كانت تحت الحكم السوفيتي، لطالما تحدثنا عن أهمية العلاقات بين مصر وهذه الدول، التي هي جزء مهم، ويدعو للفخر، في تاريخنا المشترك. وطالبني محمد سلامة كثيرًا بالذهاب، وتحدث بود كثير عن أهلنا في أوزبكستان.

ولكن الظروف لم تساعدني في الذهاب إلى طشقند، ولكن القدر أراد لي أن أذهب إلى كازاخستان مرتين، وأن أحظى برعاية خاصة من سفيرنا القدير هيثم صالح، وأن أشارك كمتحدث في منتدى أوراسيا للإعلام، ولقد حظيت بحفاوة وحب، ولقد كانت مفاجأة مذهلة لي أن أستمع لأغنية "حبيبي يا نور العين" لعمرو دياب تصدح، ويتفاعل معها شباب كازاخستان، في إحدى ليالي أستانا الجميلة من سنوات طويلة.

ولقد واصلت رحلة الحياة، وبمرور الوقت، ومع التطورات المتسارعة كانت كازاخستان دومًا أقرب، ولكن أوزبكستان تخاطب وجداني، وفجأة رتب لي صديقي سفير أوزبكستان بالقاهرة منصور بيك كيليتشيف زيارة لبلاده، لحضور منتدى طشقند الاقتصادي.

وشعرت بسعادة غامرة، وها أنا أحط في المدينة البعيدة، والحاضرة بقوة في وجداني، وفي تاريخ مصر العريق. وبالفعل لابد من طشقند وإن طال السفر؟!.

وأحسب أن ثمة مشاعر يصعب تفسيرها بالكلمات حين تطأ أقدامنا أرض آسيا الوسطى، وكأننا لا نزور مكانًا جديدًا بقدر ما نعود إلى جزء غاب طويلًا من ذاكرتنا. ففي شوارع طشقند، وبين ملامح الناس وأسواق المدن العتيقة وحدائقها الرحبة، يشعر المرء بألفة غامضة، وكأن شيئًا من روحه كان ينتظر هناك منذ قرون. تتدفق الذكريات من منابع التاريخ المشترك، وتنهض صور العلماء والرحالة والتجار الذين عبروا بين ضفتي العالم الإسلامي، حاملة معها نسمة رقيقة تلامس الأرواح وتوقظ إحساسًا عميقًا بالانتماء.

إن الحنين الذي يشدنا إلى هذه الأرض ليس حنينًا إلى الماضي وحده، بل هو حنين إلى الذات، إلى جزء من تكويننا الحضاري الذي تشكل عبر قرون من التواصل والتفاعل. هناك، في قلب طشقند وسمرقند وبخارى، نكتشف أن الوشائج التي تربطنا بآسيا الوسطى لم تنقطع يومًا، بل ظلت كامنة في الوجدان تنتظر لحظة استعادتها. ولهذا يبدو اللقاء مع هذه المدن وكأنه لقاء بين أرواح قديمة تعرف بعضها بعضًا، حتى وإن فرقتها المسافات وتعاقبت عليها الأزمنة.

ومن رحم هذا الشعور الإنساني العميق يولد الأمل في أن نعود معًا إلى فضاء أوسع من التعاون والتواصل، حيث تلتقي أرواحنا وذكرياتنا وأمجادنا التاريخية مع مصالحنا المشتركة وطموحاتنا المستقبلية. فما لمسناه هناك، وما اكتشفناه متجذرًا في نفوسنا، يؤكد أن طريق الحرير لم يكن مجرد مسار للتجارة، بل كان جسرًا للحضارة والمعرفة والإنسان. واليوم، وفي زمن جديد أكثر رحابة وانفتاحًا، تبدو الفرصة سانحة لاستعادة روح ذلك الطريق، لا بوصفه ذكرى من الماضي، بل مشروعًا للمستقبل، يجمع بين مصر وآسيا الوسطى في رحلة جديدة من الشراكة والتقارب، بطموحات بلا حدود وآفاق تمتد بامتداد التاريخ نفسه.

ولقد حظيت "أوزبكستان" بشهرة كبيرة لدى المصريين منذ القدم باسم بلاد ما وراء النهر، كما يرتبط شعبها وشعوب الدول العربية وفي مقدمتها مصر بالعديد من الأواصر التاريخية والثقافية والدينية، وما زالت القاهرة تحتفظ ببعض مآثر علماء وأعلام من أوزبكستان، وهناك العديد من الشواهد والآثار التي توضح عمق العلاقات التاريخية بين البلدين مثل "مقياس النيل" في القاهرة الذي أنشأه "أحمد الفرغاني"، كذلك جامع "ابن طولون" هو من أكبر جوامع مصر من حيث المساحة، و"حديقة الأزبكية" التي أنشأها "سيف الدين أوزبك اليوسفي".

وبالرغم من البعد الجغرافي بين مصر وأوزبكستان، فإن التاريخ يكشف عن روابط إنسانية وحضارية عميقة جمعت بين وادي النيل وبلاد ما وراء النهر. فقد برزت شخصيات من أصول تنتمي إلى مدن أوزبكستان الحالية وتركت بصمات واضحة في التاريخ المصري والإسلامي، وفي مقدمتها الأمير سيف الدين أزبك، أحد كبار قادة الدولة المملوكية، الذي تولى منصب أتابك العسكر في عهد السلطان الأشرف قايتباي، وارتبط اسمه بمنطقة الأزبكية الشهيرة في القاهرة. كما ارتبطت مصر بالعالم العلمي القادم من تلك المنطقة عبر العالم الفلكي الكبير أحمد الفرغاني، ابن وادي فرغانة، الذي أسهم في إنشاء مقياس النيل وأصبح أحد أعلام الحضارة الإسلامية.

وعلى الصعيد الديني والفكري، ظل تراث الإمامين البخاري والترمذي، المنحدرين من بخارى وترمذ، حاضرًا بقوة في الأزهر الشريف وعلوم الحديث في مصر عبر قرون طويلة. وتعكس هذه الأسماء مجتمعة عمق التفاعل الحضاري بين مصر وآسيا الوسطى، وتؤكد أن العلاقات المصرية الأوزبكية ليست وليدة العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى قرون من التواصل العلمي والثقافي والإنساني.

وقبل ساعات من الذهاب إلى طشقند، فقد شهد المتحف المصري الكبير لقاءً حضاريًّا بين مصر وأوزبكستان، وذلك خلال فعالية بعنوان "أوزبكستان - مصر حوار الحضارات والتراث"، قدمت خلالها عرضًا لمركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان. وشارك فيها بختيار سعيدوف، وزير خارجية أوزبكستان، والدكتور شريف فتحي، وزير السياحة والآثار المصري، والدكتور فردوس عبدالخالقوف، مدير مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان، وسفير أوزبكستان بالقاهرة منصور بيك كليتشيف.

ويرى سعيدوف أن مصر تحتل مكانة فريدة في تاريخ الحضارة الإنسانية. فعلى مدى آلاف السنين، كانت مهدًا للمعرفة والإبداع والسيادة. من العبقرية المعمارية التي تجسدت في أهرامات ومعابد مصر القديمة، إلى الازدهار الفكري في العصور اللاحقة، أثرت مصر باستمرار في تاريخ البشرية جمعاء. لقد كانت ملتقى حضارات، تربط إفريقيا والعرب والبحر الأبيض المتوسط وما وراءها. إن إسهام مصر في الحضارة يتجاوز حدود الزمان والمكان، ولا تزال مصدر إلهام للأجيال في جميع أنحاء العالم.

وفي الوقت نفسه يؤكد د. فردوس عبد الخالقوف أن تاريخ الحضارة الإسلامية هو تاريخ للعلم والمعرفة والتنوير والاكتشافات العلمية والتسامح والحوار، وهو تراث لا يخص العالم الإسلامي وحده، بل يمثل إرثًا إنسانيًّا مشتركًا.

ويبقى أن هذا التراث، وهذا الإرث هو ما يحرك مشاعرنا نحن أهل المحروسة، وما يحرك أهل بلاد ما وراء النهرين، ولعله سر الحفاوة وتلك اللمعة في عيون من قابلتهم هنا في أوزبكستان. نعم الماضي يجمعنا، ولكن المستقبل يحفزنا للعمل معًا.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: