التقرير الإستراتيجي للعلاقات المصرية الصينية

16-6-2026 | 15:11

توجد لحظات في تاريخ العلاقات بين الدول لا تعود فيها الوثائق مجرد أوراق، ولا تصبح التقارير مجرد رصد لوقائع جرت، وإنما تتحول إلى محاولة لفهم الزمن نفسه، إلى أين يتجه؟ ومن يتحرك فيه؟ وبأي أدوات؟ وبأي رؤية؟

وأظن أن العلاقات المصرية الصينية، وهي تمر بالذكرى السبعين لتأسيس العلاقات الدبلوماسية بين القاهرة وبكين، تقف اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات. فهي لم تعد علاقة بين عاصمتين تبادلتا الاعتراف الدبلوماسي في منتصف القرن العشرين، ولا مجرد امتداد لذاكرة سياسية تعود إلى زمن باندونج، وحركات التحرر الوطني، وبدايات خروج آسيا وإفريقيا من ظلال الإمبراطوريات القديمة. لقد أصبحت هذه العلاقة، في لحظة التحولات الكبرى التي يعيشها العالم، جزءاً من سؤال أوسع، وهو أين تقف مصر في عالم يتغير؟ وأين تقف الصين في نظام دولي لم يعد قادراً على البقاء كما كان؟

ومن هنا تأتي أهمية صدور "التقرير الإستراتيجي للعلاقات المصرية الصينية في عامي 2024 و2025" عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في يونيو 2026. فالتقرير، في تقديري، ليس مجرد إصدار بحثي جديد يضاف إلى رفوف المكتبات، وإنما محاولة جادة، من خبراء وباحثي هذا المركز العريق، لوضع خريطة فكرية وإستراتيجية لعلاقة باتت تتجاوز حدود الثنائية التقليدية بين دولتين، إلى فضاء أوسع تتقاطع فيه السياسة بالاقتصاد، والتنمية بالأمن، والتجارة بالتكنولوجيا، والاستثمار بسؤال الاستقلال الوطني.

لقد تغير العالم كثيراً. فلم يعد ذلك العالم الذي عرفناه بعد نهاية الحرب الباردة، حين ظن البعض أن التاريخ استقر عند قوة واحدة، ونموذج واحد، وطريق واحد. ولم يعد أيضاً عالم العولمة المطمئنة، حين قيل لنا إن الأسواق سوف تفتح الأبواب، وإن التجارة سوف تذيب الخلافات، وإن التكنولوجيا سوف تقرب بين الأمم بلا تكلفة سياسية أو إستراتيجية. نحن الآن أمام عالم أكثر خشونة، وأكثر تعقيداً، وأكثر ازدحاماً بالقوى والمخاطر والأسئلة.

وفي هذا العالم، تصعد الصين لا بوصفها قوة اقتصادية فقط، وإنما بوصفها مشروعاً حضارياً وإستراتيجياً له تصوراته عن التنمية والأمن والحوكمة والعلاقات الدولية. وفي هذا العالم نفسه، تبحث مصر عن توسيع خياراتها، وعن تعظيم موقعها، وعن حماية استقلال قرارها في بيئة إقليمية ودولية مضطربة. ومن ثم، فإن علاقة مصر مع الصين ليست ترفاً دبلوماسياً، ولا مجرد باب إضافي للاستثمار، وإنما هي أحد ميادين التفكير في مستقبل الدولة المصرية وموقعها بين القوى الكبرى.

والتقرير المذكور يحاول أن يقترب من هذه الحقيقة. فهو لا يكتفي بأن يسجل ما جرى في عامي 2024 و2025، رغم أهمية التسجيل والتوثيق، وإنما يسعى إلى أن يقرأ المعنى الكامن وراء الوقائع. فماذا تعني الزيارات المتبادلة؟ وماذا تعني الاستثمارات الصينية في البنية التحتية والصناعة والطاقة والتكنولوجيا؟ وماذا يعني موقع مصر بالنسبة إلى مبادرة الحزام والطريق؟ وماذا يعني الحضور الصيني في قناة السويس، والعاصمة الإدارية، والمنطقة الاقتصادية، والأسواق الإفريقية والعربية المحيطة بمصر؟

ولعل أهم ما يلفت الانتباه في هذا التقرير هو توظيفه منهجًا يتعامل مع العلاقات المصرية الصينية باعتبارها بنية إستراتيجية متكاملة، لا مجموعة أخبار متناثرة، ولا مجرد بيانات اقتصادية متفرقة. صحيح أن الأرقام مهمة، لكنها، من وجهة نظر معدي التقرير، لا تكفي. وحجم التجارة مهم، لكنه لا يفسر وحده اتجاه التاريخ. والاستثمارات ضرورية، لكنها لا تقول كل شيء عن ميزان المصالح، ولا عن حدود الفرص والمخاطر. 

ولعل القيمة الأهم في التقرير أيضًا أنه يخاطب أكثر من دائرة في الوقت نفسه. فهو يخاطب صانع القرار الذي يحتاج إلى معرفة دقيقة قبل أن يختار. ويخاطب رجل الأعمال الذي يريد أن يعرف أين توجد الفرصة وأين تكمن المخاطرة. ويخاطب المصرفي وشركة التأمين والمستثمر والباحث والإعلامي، لأن الصين لم تعد شأناً بعيداً يخص المتخصصين وحدهم، وإنما أصبحت حاضرة في تفاصيل الاقتصاد العالمي، وفي خرائط التمويل، وفي سلاسل الإمداد، وفي تكنولوجيا المستقبل.

كما أن التقرير يخاطب الجانب الصيني أيضاً. فالصين تحتاج إلى فهم مصر لا كسوق فقط، ولا كموقع جغرافي فقط، وإنما كدولة مركزية في الإقليم العربي، وبوابة إلى إفريقيا، وشريك له ذاكرة تاريخية ومصالح إستراتيجية وحسابات دقيقة. فالشراكة الحقيقية لا تقوم على الإعجاب المتبادل، ولا على الخطاب الاحتفالي، وإنما على المعرفة، والمصارحة، وتحديد المصالح، وإدراك حساسيات كل طرف.

وفي تقديري، يعد اقتناء هذا التقرير ليس اقتناء كتاب فحسب، بل اقتناء أداة لفهم مرحلة. وهو ضرورة لكل مؤسسة مصرية تتعامل مع الصين، ولكل شركة صينية تفكر في مصر، ولكل بنك يدرس اتجاهات التمويل، ولكل شركة تأمين تقرأ خرائط المخاطر، ولكل مركز بحثي أو إعلامي يريد أن يتعامل مع العلاقات المصرية الصينية بجدية تليق بحجمها.

ففي عصر التحولات الكبرى، لا تكفي النوايا الطيبة، ولا تكفي الصداقات التاريخية. فالدول تحتاج إلى عقل إستراتيجي، وإلى ذاكرة، وإلى خريطة في لحظة لم تعد فيها الخرائط القديمة صالحة وحدها للملاحة في بحر العالم الجديد. وهنا تحديداً تأتي قيمة التقرير الإستراتيجي للعلاقات المصرية الصينية في عامي 2024 و2025. فهو محاولة لبناء عقل مؤسسي يقرأ هذه العلاقات كما ينبغي أن تُقرأ في التاريخ، وفي الجغرافيا، وفي الاقتصاد، وفي موازين القوة، وفي احتمالات المستقبل.

رئيس وحدة العلاقات الدولية، وبرنامج دراسات الطاقة في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وزميل كلية الدفاع الوطني في الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والإستراتيجية

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة