في زمن تبحث فيه الشاشات عن الإثارة العابرة واللقطات السريعة، أطلت علينا شاشة قناة "مصر المستقبل" بجرعة إعلامية مكثفة من الطراز الرفيع، حلقة استثنائية بكل المقاييس جمعت بين جيلين: جيل الأساتذة الكبار وبناة الإعلام، وجيل من الإعلاميين الشغوفين بالمهنية الحقيقية.
إنه الحوار المتميز الذي قدمته الإعلامية المتألقة رانيا البليدي، واستضافت فيه الخبير الإعلامي الكبير عبدالخالق عباس، نائب رئيس التليفزيون الأسبق.
فلم تكن الحلقة مجرد لقاء تليفزيوني عابر، بل كانت "ليلة في حب الإعلام المصري"، وشهادة تاريخية حية قدمها أحد أبرز صناع القرار ورائد من رواد ماسبيرو خلال عصره الذهبي.
منذ الدقائق الأولى للحلقة، ظهرت البصمة المهنية الواضحة للإعلامية رانيا البليدي؛ فهذه المذيعة الموهوبة والدؤوبة أثبتت أنها لا تحاور لمجرد ملء وقت الشاشة، بل تدرك وتعي قواعد الإعلام بحق.
بذكاء لافت وثقافة واسعة، ولغة رصينة ومخارج للحروف والألفاظ واضحة وسليمة، أدارت رانيا البليدي الحوار بسلاسة، وطرحت أسئلة عميقة فتحت شهية الضيف للحديث، ومنحته المساحة الكافية ليتدفق بذكرياته وخبراته دون مقاطعة مُربكة أو ملاحقة غير مبررة.
لقد قدمت "البليدي" نموذجًا يُحتذى به في الإعلام للحوار الرصين الذي يمتع المشاهد ويحترم عقله.
وعلى الجانب الآخر، كان الخبير الإعلامي الكبير عبدالخالق عباس في أوج توهجه وسرده الممتع.
الرجل الذي يحمل على كتفيه مشوارًا مهنيًا ثريًا وتاريخًا طويلًا في أروقة التليفزيون المصري، تحدث بطلاقة آسرة جمعت بين دقة التوثيق وعذوبة الحكي.
تنقل الأستاذ عبدالخالق، باعتباره شاهدًا عيانًا، بين المراحل المهمة والفارقة التي مر بها الإعلام المصري، كاشفًا عن كواليس وحكايات لم تُحك من قبل. روى كيف كانت تُصنع الرسالة الإعلامية بدقة متناهية، وكيف كان التليفزيون المصري منارة تقود وعي الأمة والمنطقة بأسرها.
حديثه لم يكن مجرد سرد للماضي، بل كان درسًا مجانيًا في الإدارة الإعلامية، والالتزام بالمسئولية الوطنية والمهنية أمام الشاشة.
أرى أن أهمية هذه الحلقة تكمن في كونها توثيقًا حيًا لأمجاد الإعلام المصري من فم أحد أبرز قياداته.
خرج المشاهد من هذا الحوار الثري وهو يشعر بالفخر والامتنان؛ فخر بتلك القامات المرموقة التي أسست للمهنة مثل عبدالخالق عباس، واطمئنان بأن هناك وجوهًا إعلامية شابة وواعدة، قادرة على حمل الراية ومواصلة المسيرة بذات الالتزام والمهنية.
تحية تقدير لفريق عمل قناة "مصر المستقبل" على تقديم هذه الوجبة الإعلامية الدسمة، وتحية خاصة للدؤوبة رانيا البليدي، وللإعلامي القدير عبدالخالق عباس، الذي أثبت بحق أن الذهب لا يصدأ، وأن حكايات ماسبيرو على لسان رواده تظل دائمًا ملهمة لكل الأجيال.