أمريكا بين مطرقة الحرب وسندان كأس العالم

15-6-2026 | 13:04

في الوقت الذي لا تزال تسعى  فيه الولايات المتحدة الأمريكية، تحت قيادة أغرب حاكم لها في تاريخها، إلى تقديم نفسها باعتبارها الدولة القادرة على قيادة العالم اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا ورياضيًا، يظل الواقع المعيش والمكشوف للجميع، كاشفًا لزيف هذه الصورة التي اعتنقها كثيرون، وقد كشفت التطورات المتلاحقة خلال الأسابيع الأخيرة عن مشهد تراكمي مغاير لنمط الدولة التي كانت لوقت طويل كوكب الأحلام لسكان الأرض، وكشفت صورة قوة عظمى تبدو عاجزة عن إدارة ملفاتها المتعددة في الوقت نفسه. 

فمن جهة، يواصل دونالد ترامب وإدارته في البيت الأبيض التخبط في التعامل مع الأزمة الإيرانية، والانتقال المتكرر بين لغة التهديد والتصعيد، أو أن هناك عقلاء إيرانيين صاروا في الواجهة ويرغبون في تحقيق أحلام واشنطن وتل أبيب، وبين حديث متكرر عن اتفاق وشيك سوف يُنهي الحرب وتعود الملاحة وحركة الاقتصاد عبر فتح مضيق هرمز، وعودة سفن التجارة والطاقة للمرور دون عائق.

صار العالم كله يحفظ عن ظهر قلب التصريحات الأمريكية التي تتحدث عن قرب التوصل إلى اتفاق، ومنذ أشهر طويلة تتكرر العبارات ذاتها: "المفاوضات وصلت إلى مراحل متقدمة"، و"الاتفاق بات أقرب من أي وقت مضى"، و"هناك تقدم كبير في المحادثات". 

لكن الواقع على الأرض لا يعكس هذا التفاؤل المعلن؛ فكلما اقترب موعد الإعلان عن اتفاق جديد، تظهر عقبات جديدة، أو تتصاعد المواجهات العسكرية والسياسية، أو تتبادل الأطراف الاتهامات بشأن المسئولية عن تعطيل التفاهمات، ويزداد هذا الشك مع استمرار التصعيد العسكري وتبادل الرسائل النارية بين الجانبين. 

فالإدارة الأمريكية تتحدث عن السلام بينما تستمر في تعزيز وجودها العسكري، وإيران تتحدث عن الحوار، بينما تواصل التمسك بأوراق الضغط الإقليمية التي تمتلكها. 

وبين الطرفين يبقى الاتفاق المنتظر أشبه بسراب سياسي يقترب كلما ابتعدت المسافة إليه. 

هذا التناقض بين الخطاب السياسي والواقع العملي جعل كثيرين يشككون في جدية الحديث الأمريكي المتكرر عن الاتفاق. 

فهل تسعى واشنطن فعلاً إلى تسوية دائمة، أم أنها تستخدم فكرة الاتفاق كأداة لإدارة الأزمة وكسب الوقت؟ وهل أصبح الإعلان عن قرب التوصل إلى تفاهم مع إيران جزءًا من حملة العلاقات العامة أكثر من كونه مسارًا سياسيًا حقيقيًا؟!

وفي مسار التطورات الأخيرة التي قربت حلم الاتفاق إلى أرض التحقق بعض الإشارات، مثل تصريحات الخارجية الإيرانية نفسها بأن الطرفين في المرحلة النهائية من التوصل لاستنتاجات بشأن الاتفاق، وأن التوصل إلى مذكرة تفاهم مع الولايات المتحدة أصبح قريبًا من أي وقت مضى، وتزامن ذلك مع أنباء ليست مؤكدة لكنها خرجت بصورة ما حول ملامح اتفاق بين إيران والإمارات قد يفضي إلى إفراج الأخيرة عن مليارات الدولارات المجمدة لطهران، في ظل المفاوضات الأوسع الهادفة إلى إنهاء الحرب وإعادة رسم العلاقات في المنطقة، بينما يبقى الرئيس الأمريكي على حاله يلقي بتصريحات متضاربة، مثل أن المسئولين الإيرانيين يفتقرون إلى النزاهة في التعامل، وأن الشروط المسربة عن الاتفاق كاذبة، كما صرح نائب ترامب جي دي فانس، في أكثر من مناسبة بأن هناك الكثير من المعلومات المضللة عن الاتفاق المحتمل مع إيران، إضافة لتصريحات عن موافقة طهران على تخفيض نسب تخصيب اليورانيوم، بعد حديث متكرر عن الانتصار الأمريكي في نزع سلاح إيران النووي، واستفزاز ترامب للإيرانيين بأن أمريكا استولت على الملايين من براميل النفط الإيرانية.

من المحتمل أن تقود المؤشرات أو التخبط نحو مفاوضات قد تكون أوسع نطاقاً بين الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب، لتشمل الإفراج عن عشرات المليارات من الدولارات من عوائد النفط الإيرانى المجمدة بالبنوك الأجنبية بموجب العقوبات الأمريكية، وخفض التوتر في الأراضي اللبنانية والفلسطينية، على الرغم من التحفظ الإسرائيلي على أي اتفاقٍ من شأنه أن يُهدئ الأجواء المشتعلة بالمنطقة، أو أن تصل الأمور مجددًا إلى طريقٍ مسدود. 

ووسط كل ذلك تواجه أمريكا/ترامب انتقادات متزايدة بسبب المشكلات الأمنية والتنظيمية التي تحيط ببطولة كأس العالم المقامة على أراضيها، على الرغم من ذهاب كثير من المحللين السياسيين إلى أن مسعى الرئيس الأمريكي في الوصول إلى اتفاق نهائي مع إيران، حتى لا تتأثر أجواء البطولة بأي اضطرابات، محاولة أن تحفظ ماء الوجه كقوة عظمى متقدمة قادرة على صناعة المستحيل، لكن هيهات، وقد حدث التأثر السلبي بالفعل، ووجدت واشنطن نفسها بين مطرقة الحرب وسندان الرياضة، في مشهد يثير الكثير من علامات الاستفهام حول كفاءة الإدارة الأمريكية الحالية، فعلى سبيل المثال، لا تستطيع الدولة العظمى مواجهة الظواهر الجوية التي قد تصل إلى الصواعق، أو العواصف التي توجب إيقاف المباريات والنزول إلى المخابئ، الأمر الذي قد يستغرق أكثر من ساعة، وإما أن تستأنف اللقاءات أو تؤجل، كما شهدت بطولة كأس العالم للأندية، ومنذ الأيام الأولى للبطولة ظهرت أزمات تنظيمية متكررة، شملت مشكلات لوجستية، وإجراءات دخول وخروج معقدة، وارتباكًا في التعامل مع الجماهير والوفود الرياضية، وتحولت بعض الوقائع إلى مادة دسمة لوسائل الإعلام العالمية التي تساءلت كيف يمكن لدولة بحجم الولايات المتحدة أن تواجه مثل هذه الأزمات، في حدث تم التخطيط له منذ سنوات. ونجد المنتخب الإيراني لكرة القدم لم يسلم من النزاع القائم، وتم إبلاغه بأنه لن يُسمح له بالإقامة في الولايات المتحدة، وسيبقى الفريق في المكسيك طوال وقت مشاركته في البطولة، باستثناء المباريات الثلاث المقررة له، كما تم منع الحكم عمر أرتان، أول حكم من الصومال يُدير مباراة في كأس العالم، من دخول أمريكا واستبعاده من البطولة، كما استُقبلت وفود بعض المنتخبات المشاركة بإجراءات تفتيشية معقدة وصارمة، بلغت تفتيش اللاعبين وأمتعتهم، وإخضاعهم لاستجوابات مطولة، كما حدث مع بعثة المنتخب السنغالي الذي أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل، تعرضها للتفتيش بطريقة مُذلة وغير إنسانية، من قبل موظفي الجمارك بأحد المطارات، كذلك خضع الكابتن أيمن حسين مهاجم المنتخب العراقي المشارك بالبطولة، للاحتجاز والاستجواب لما يزيد على الساعات الخمس في المطار، ومن أكثر الوقائع غرابة وإثارة للجدل والتهكم ما حدث لأفراد بعثة منتخب إنجلترا الذين تعرضوا لسرقة متعلقاتهم وأغراضهم الشخصية وأدوات التدريب في معسكرهم. 

والكثير من المشاهد السيئة التي تشير إلى تنظيم مهلهل لم يستطع السويسري جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، أن يواجه بسببه سيل الأسئلة الذي أمطره به الصحفيون في مؤتمر صحفي حول هذه النسخة من البطولة وأزماتها.

اللافت أن هذا المشهد الرياضي المضطرب يتقاطع بصورة شبه كاملة مع المشهد السياسي. ففي الحالتين يظهر غياب التخطيط الواضح، وتضارب الرسائل، والانتقال المستمر بين القرارات المتناقضة. فكما تتحدث الإدارة الأمريكية عن اتفاق قريب مع إيران بينما تتواصل أجواء المواجهة، تتحدث المؤسسات المنظمة عن نجاح استثنائي للبطولة بينما تتوالى الوقائع التي تكشف عن أوجه القصور التنظيمي. لقد راهن ترامب على تقديم نفسه باعتباره رجل الصفقات القادر على إنهاء الأزمات وتحقيق الإنجازات الكبرى، لكن الواقع الحالي يطرح أسئلة صعبة. فالحرب مع إيران لم تُحسم، والسلام لم يتحقق، وفي المقابل، لم تتحول كأس العالم إلى استعراض للقوة الأمريكية بقدر ما أصبحت مناسبة لكشف كثير من نقاط الضعف والارتباك.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: