في السياسة لا تُقاس أهمية الزيارات الرسمية بعدد الاتفاقيات التي تُوقَّع خلالها فقط، وإنما بالسياق الذي تأتي فيه، والرسائل التي تحملها، والمسار الذي تعبر عنه. ومن هذا المنطلق تكتسب زيارة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة إلى القاهرة أهمية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين بلدين شقيقين، لتصبح جزءًا من قراءة أوسع للتحولات التي يشهدها الشرق الأوسط في لحظة تبدو فيها المنطقة وكأنها تعيد تشكيل توازناتها من جديد.
فالشرق الأوسط اليوم ليس هو الشرق الأوسط الذي عرفناه قبل عقد من الزمن. الحروب التي اجتاحت عددًا من الدول العربية، وصعود التنظيمات المسلحة، والتدخلات الإقليمية والدولية، والأزمات الاقتصادية المتلاحقة، ثم الحرب في غزة وما تبعها من توترات امتدت إلى البحر الأحمر والخليج العربي، كلها عوامل دفعت العديد من العواصم العربية إلى إعادة التفكير في أولوياتها الإستراتيجية.
وفي قلب هذه التحولات برزت القاهرة وأبوظبي باعتبارهما من أكثر العواصم العربية إدراكًا لطبيعة المرحلة، وأكثرها اقتناعًا بأن الحفاظ على الدولة الوطنية والاستقرار الإقليمي لم يعد خيارًا سياسيًا، بل أصبح شرطًا ضروريًا لبقاء الدول وقدرتها على التنمية ومواجهة التحديات القادمة.
من العلاقة الثنائية إلى المعادلة الإقليمية
لم تعد العلاقات المصرية الإماراتية مجرد نموذج ناجح للعلاقات الثنائية بين دولتين عربيتين، بل أصبحت مع مرور الوقت جزءًا من معادلة إقليمية أوسع ترتبط بمستقبل النظام العربي ذاته. فخلال العقود الماضية تغيرت أنظمة وتحالفات وخرائط نفوذ في المنطقة، لكن العلاقة بين القاهرة وأبوظبي احتفظت بقدر كبير من الثبات والاستمرارية. ويرجع ذلك إلى أن هذه العلاقة لم تُبنَ على مصالح مؤقتة أو حسابات ظرفية، وإنما تأسست على إدراك متبادل لأهمية كل دولة بالنسبة للأخرى ولدورها في محيطها العربي.
ومع تصاعد التحديات التي تواجه المنطقة، تحولت هذه العلاقة تدريجيًا إلى أحد أعمدة التوازن الإقليمي، خاصة في ظل تقارب الرؤى بشأن معظم الملفات العربية الرئيسية، من فلسطين إلى السودان وليبيا، ومن مكافحة الإرهاب إلى أمن البحر الأحمر والخليج العربي.
الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد
نصف قرن من الثقة السياسية
منذ قيام دولة الإمارات العربية المتحدة عام 1971 تشكلت علاقة خاصة بينها وبين مصر، استندت إلى تقدير القيادة الإماراتية للدور المصري التاريخي في العالم العربي.
وكانت حرب أكتوبر 1973 واحدة من أهم المحطات المؤسسة لهذه العلاقة، عندما اتخذ الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان موقفًا تاريخيًا في دعم المعركة العربية، لتصبح عبارته الشهيرة: “النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي” جزءًا من الذاكرة السياسية العربية الحديثة.
ومنذ ذلك الحين تراكمت الثقة السياسية بين البلدين عبر محطات متعددة، سواء خلال مرحلة إعادة بناء النظام العربي بعد حرب أكتوبر، أو خلال الأزمات التي شهدتها المنطقة في العقود التالية. هذه الثقة التاريخية هي التي تفسر قدرة العلاقات المصرية الإماراتية على تجاوز المتغيرات الدولية والإقليمية، والاستمرار في التطور بصرف النظر عن طبيعة التحديات القائمة.
العقد الأخير.. نقطة التحول الكبرى
رغم عمق العلاقات التاريخية، فإن العقد الأخير يمثل بلا شك المرحلة الأهم في تطورها. فبعد عام 2013 واجهت المنطقة العربية تحديات غير مسبوقة تمثلت في صعود التنظيمات الأيديولوجية العابرة للحدود، وانتشار الجماعات الإرهابية، وتراجع سلطة الدولة في عدد من البلدان العربية، وتصاعد التدخلات الخارجية في الشئون الداخلية للدول.
وفي مواجهة هذه التحديات وجدت القاهرة وأبوظبي نفسيهما أمام رؤية مشتركة تقوم على مجموعة من المبادئ الأساسية، في مقدمتها الحفاظ على الدولة الوطنية، وحماية المؤسسات، ومواجهة الإرهاب، ومنع انهيار الدول العربية أو تفككها. ومن هنا انتقل التعاون بين البلدين من مرحلة التنسيق السياسي التقليدي إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية الشاملة التي تشمل السياسة والأمن والاقتصاد والتنمية.
الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد
الاقتصاد بوصفه أداة إستراتيجية
في عالم اليوم لم يعد الاقتصاد منفصلًا عن الأمن القومي، بل أصبح أحد أهم آليات تفعيله على الأرض بعيدًا عن النظريات. ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحضور القوي للبعد الاقتصادي في العلاقات المصرية الإماراتية.
فالإمارات تُعد من أكبر المستثمرين الأجانب في مصر، وتنتشر استثماراتها في قطاعات حيوية تشمل الطاقة والبنية التحتية والعقارات والخدمات المالية والموانئ والتكنولوجيا.
وشكلت صفقة تطوير منطقة رأس الحكمة عام 2024 نقطة تحول تاريخية في مسار التعاون الاقتصادي بين البلدين، حيث بلغت قيمة الاتفاق نحو 35 مليار دولار، لتصبح واحدة من أكبر الصفقات الاستثمارية في تاريخ الشرق الأوسط.
لكن أهمية هذه الاستثمارات لا تتوقف عند أرقامها الضخمة، وإنما تمتد إلى ما تعكسه من قناعة إستراتيجية بأن استقرار الاقتصاد المصري يمثل عنصرًا رئيسيًا في استقرار المنطقة العربية بأكملها، وأن دعم مسارات التنمية يمثل في حد ذاته استثمارًا في الأمن والاستقرار.
الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد
الدولة الوطنية كقاسم مشترك
ربما يكون هذا هو المحور الأهم في فهم طبيعة الشراكة المصرية الإماراتية. فالخبرة التي مرت بها المنطقة منذ عام 2011 أثبتت أن انهيار مؤسسات الدولة لا يؤدي بالضرورة إلى بناء نظم سياسية أكثر استقرارًا، بل كثيرًا ما يقود إلى الفوضى والصراعات الداخلية والإرهاب والتدخلات الخارجية والانهيار الاقتصادي.
من هنا تشكلت لدى القاهرة وأبوظبي قناعة راسخة بأن الدولة الوطنية الحديثة تظل الإطار الوحيد القادر على حماية المجتمعات والحفاظ على وحدة الأراضي وتحقيق التنمية.
لذلك أصبحت حماية مؤسسات الدولة والحفاظ على تماسكها مبدأً حاكمًا في مقاربة البلدين لمختلف أزمات المنطقة.
القضية الفلسطينية واختبار النظام الإقليمي
الحرب في غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية جديدة في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الإقليمي على التعامل مع الأزمات الكبرى، خاصة ما يتعلق بتحقيق الحل الدائم والشامل والعادل للقضية المركزية لدول وشعوب المنطقة العربية، القضية الفلسطينية، باعتبارها أصل كل التهديدات والصراعات في الإقليم.
وفي هذا الملف برز تقارب واضح بين الموقفين المصري والإماراتي من خلال رفض تهجير الفلسطينيين، والدفع نحو وقف إطلاق النار، وتكثيف المساعدات الإنسانية، والتمسك بحل الدولتين باعتباره الطريق الوحيد لتحقيق سلام مستدام.
كما يدرك البلدان أن استمرار الحرب وتوسعها يحمل مخاطر تتجاوز حدود الأراضي الفلسطينية لتطال مجمل الاستقرار الإقليمي، وهو ما يفسر حجم التنسيق السياسي والدبلوماسي بينهما خلال الأشهر الماضية.
السودان وحتمية الحفاظ على الدولة
منذ اندلاع الأزمة السودانية في أبريل 2023 أصبح الحفاظ على الدولة السودانية أحد أهم التحديات المطروحة أمام الإقليم. فالمخاطر لم تعد تتعلق فقط باستمرار القتال، وإنما بإمكانية تحول السودان إلى بؤرة طويلة الأمد للفوضى وعدم الاستقرار.
من هنا تتكامل الرؤيتان المصرية والإماراتية حول أهمية الحفاظ على وحدة السودان ومؤسساته الوطنية، ومنع أي سيناريوهات قد تؤدي إلى التقسيم أو الانهيار الكامل للدولة. وفي جوهر هذه الرؤية يظل الهدف الأساسي هو التوصل إلى تسوية سياسية تحافظ على وحدة البلاد وتضع حدًا لمعاناة الشعب السوداني.
الرئيس السيسي والشيخ محمد بن زايد
ليبيا وأولوية الاستقرار
تشكل ليبيا نموذجًا آخر للحضور القوي لمفهوم الدولة الوطنية في الرؤية المشتركة للبلدين. فعلى مدار أكثر من عقد ظلت القاهرة وأبوظبي تدعوان إلى الحفاظ على وحدة الأراضي الليبية ودعم المؤسسات الوطنية ورفض هيمنة الميليشيات المسلحة على مستقبل الدولة.
وقد أثبتت التجربة الليبية أن غياب الدولة يفتح المجال أمام التدخلات الخارجية والفوضى والانقسام، وهو ما جعل استعادة المؤسسات الوطنية هدفًا مشتركًا للسياسة المصرية والإماراتية تجاه هذا الملف.
تداعيات الأزمة في الخليج على أمن الممرات الإستراتيجية
لم تعد قضية الأمن في الخليج العربي وتداعياتها على البحر الأحمر مسألة جغرافية أو ملاحية فحسب، بل أصبحت قضية جيوبوليتيكية من الدرجة الأولى.
فما يقرب من 12% من التجارة العالمية تمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وأي اضطراب في هذا الممر ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وخلال الأشهر الأخيرة، ومع تصاعد التوترات في المنطقة واتساع دائرة المواجهات المرتبطة بالأزمة الإيرانية وتداعياتها الإقليمية، برزت أهمية التنسيق المصري الإماراتي في حماية الأمن البحري وضمان حرية الملاحة واستقرار الممرات الإستراتيجية.
كما أن الموقف المصري الداعم لأمن دول الخليج العربي في مواجهة التهديدات والاعتداءات الإيرانية يعكس بعدًا آخر من أبعاد هذه الشراكة. فالقاهرة نظرت دائمًا إلى أمن الخليج باعتباره جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي المصري والعربي، وهو موقف عبّرت عنه مصر في مناسبات عديدة، سواء عبر المواقف السياسية أو التحركات الدبلوماسية أو المشاركة في الجهود الرامية إلى حماية أمن واستقرار المنطقة.
وفي المقابل تدرك الإمارات أن استقرار مصر وأمنها يمثلان خط الدفاع الأول عن الأمن العربي في مواجهة التحديات الإقليمية المتصاعدة.
الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات
نحو هندسة عربية جديدة للتوازن
في جوهرها تعكس زيارة رئيس دولة الإمارات إلى القاهرة حقيقة أعمق من مجرد متانة العلاقات بين بلدين شقيقين. فهي تعكس إدراكًا متزايدًا لدى عدد من العواصم العربية الرئيسية بأن المنطقة تدخل مرحلة جديدة تختلف عن مرحلة العقد الماضي؛ مرحلة تتراجع فيها رهانات الفوضى والانقسامات، وتتقدم فيها أولويات التنمية والاستقرار وبناء الدولة والشراكات الاقتصادية والإستراتيجية. من هذا المنظور لا يمكن النظر إلى اللقاءات المتكررة بين القاهرة وأبوظبي باعتبارها أحداثًا دبلوماسية عادية، بل باعتبارها جزءًا من عملية أوسع لإعادة صياغة توازنات الإقليم على أسس جديدة، يكون محورها الدولة الوطنية، وقاعدتها التنمية، وهدفها تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في منطقة لا تزال تواجه تحديات جسيمة.
لعل هذا هو المعنى الحقيقي الذي تعكسه هذه الزيارة؛ فحين تتحول الشراكة بين دولتين عربيتين إلى رؤية مشتركة للاستقرار والتنمية والأمن، فإنها تصبح أكثر من مجرد علاقة ثنائية، وتتحول إلى إحدى الركائز الأساسية التي يستند إليها مستقبل النظام العربي في مرحلة شديدة التعقيد من تاريخه المعاصر.