استعادة الحلم.. 12 عامًا من بناء الدولة المصرية

15-6-2026 | 16:28

ليست كل السنوات سواء، فبعض السنوات تمر على الأوطان كأرقام في التقويم، بينما تتحول سنوات أخرى إلى محطات فاصلة تعيد تشكيل الوعي وتغير مسار التاريخ.

واليوم، وبعد مرور اثني عشر عامًا على تولي الرئيس عبدالفتاح السيسي مسئولية قيادة مصر، لا يبدو السؤال الحقيقي: ماذا أُنجز؟ بل ماذا كانت ستكون مصر لو لم تخض معركة البقاء والبناء في ذلك التوقيت الدقيق من عمر الوطن؟

أحيانًا ننشغل بالتفاصيل فنفقد القدرة على رؤية الصورة كاملة. نختلف حول الأرقام، ونتجادل حول الأولويات، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن الدولة المصرية خاضت خلال هذه السنوات واحدة من أصعب معاركها الحديثة؛ معركة استعادة الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة وتجديد بنيتها الأساسية في وقت كانت المنطقة كلها تموج بالأزمات والصراعات.

أتذكر جيدًا تلك السنوات لا تفارق ذهني التي كان الخوف فيها ضيفًا دائمًا على البيوت المصرية. لم يكن المواطن قلقًا على مستقبله فقط؛ بل كان قلقًا على وطنه ذاته. كانت مشاهد الإرهاب تتصدر الأخبار، وكانت الشائعات تسبق الحقائق، وكان السؤال المؤلم يتردد في وجدان كثيرين: إلى أين تتجه مصر؟

من هنا يمكن فهم ما جرى خلال السنوات التالية.

فالإنجاز الحقيقي لا يُقاس بعدد الطرق والكباري فقط، رغم أهميتها، ولا بعدد المشروعات التي أُقيمت، رغم ضخامتها، وإنما يُقاس أولًا بقدرة الدولة على استعادة ثقتها بنفسها، وقدرتها على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق صناعة المستقبل.

ووقتما نتحدث عن شبكة الطرق الجديدة، فإننا لا نتحدث عن أسفلت وخرسانة؛ بل عن شرايين حياة تربط أطراف الوطن بعضها ببعض. وحين نتحدث عن محطات الكهرباء العملاقة، فإننا لا نتحدث عن أعمدة وأسلاك؛ بل عن دولة قررت أن تؤمن احتياجاتها الأساسية وأن تضع حدًا لمعاناة عاشها المواطن سنوات طويلة.

وعندما نتحدث عن القضاء على قوائم انتظار المرضى أو عن مواجهة فيروس "سي"، فإننا لا نتحدث عن أرقام في تقارير رسمية؛ بل عن أمهات عاد إليهن الأمل، وآباء استعادوا قدرتهم على العمل، وأسر كاملة نجت من معاناة كانت تبدو بلا نهاية.

وربما كان أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة المصرية خلال هذه السنوات أنها لم تكتفِ بمعالجة الحاضر؛ بل حاولت أن تنظر إلى المستقبل. فمن مشروعات استصلاح الأراضي الزراعية إلى الدلتا الجديدة والصوب الزراعية ومشروعات الاستزراع السمكي، كانت الرسالة واضحة: الأمن القومي لم يعد مفهومًا عسكريًا فقط؛ بل أصبح مرتبطًا بالغذاء والمياه والطاقة والقدرة على الصمود أمام الأزمات العالمية.

لقد كشفت السنوات الأخيرة، بما حملته من أوبئة وحروب وأزمات اقتصادية دولية، أن الدول التي لا تستعد للمستقبل تدفع الثمن مضاعفًا. ومن هنا يمكن فهم الكثير من القرارات والمشروعات التي ربما بدت للبعض ضخمة أو مكلفة، لكنها في جوهرها كانت استثمارًا في قدرة الدولة على البقاء والاستمرار.

أما سيناء، تلك الأرض التي دفعت مصر من أجلها أثمانًا باهظة، فقد كانت نموذجًا آخر لمعنى الإرادة الوطنية. لم تعد مجرد بقعة جغرافية بعيدة؛ بل أصبحت جزءًا من مشروع تنموي متكامل يربطها بباقي أنحاء الوطن ويؤكد أن التنمية هي الوجه الآخر للأمن.

وفي ملف مكافحة الإرهاب، لا ينبغي أن ننسى حجم التضحيات التي قُدمت حتى تستعيد مصر استقرارها. فالأمن الذي نعتبره اليوم أمرًا طبيعيًا لم يكن مجانيًا؛ بل كان ثمرة جهود وتضحيات كبيرة قدمها رجال القوات المسلحة والشرطة، ودفع ثمنها شهداء سيظل الوطن مدينًا لهم ما بقيت مصر.

ورغم كل ما تحقق، فإن الطريق ما زال طويلًا، فبناء الأوطان لا ينتهي، والتنمية ليست محطة وصول؛ بل رحلة مستمرة. غير أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن ما شهدته مصر خلال هذه السنوات لم يكن مجرد تنفيذ لمشروعات متفرقة؛ بل كان محاولة جادة لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر قدرة على مواجهة المستقبل.

إن الأمم لا تُبنى بالشعارات وحدها، كما أنها لا تُقاس فقط بما تواجهه من تحديات؛ بل بقدرتها على تجاوز تلك التحديات وتحويلها إلى فرص. ومصر، خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية، قدمت نموذجًا لدولة اختارت أن تواجه الصعاب بالعمل، وأن ترد على الفوضى بالبناء، وأن تجعل من الأمل مشروعًا وطنيًا لا مجرد أمنية.

بعد اثني عشر عامًا، قد تختلف الاجتهادات السياسية، وقد تتباين وجهات النظر حول بعض الملفات، لكن يبقى هناك سؤال واحد يستحق التأمل: هل أصبحت مصر اليوم أكثر قدرة على حماية نفسها وبناء مستقبلها مما كانت عليه قبل اثني عشر عامًا؟

كثير من الإجابات يمكن أن تختلف، لكن الواقع على الأرض يظل شاهدًا لا يجادل، والتاريخ وحده سيكتب كلمته النهائية.

أما نحن، فعلينا أن ندرك أن الأوطان لا تُحفظ بالكلمات وحدها؛ بل بالعمل والإخلاص والإيمان بأن هذا الوطن يستحق دائمًا أن نبذل من أجله المزيد والمزيد إلى مالا نهاية.

كلمات البحث