في الحلقة الرابعة من مقال "صورة اليابان بعيون مصرية" أتناول صورة اليابان في الفكر المصري عند شاعر النيل حافظ إبراهيم ودوره في تشكيل الوعي المصري، وتتوالى تجربة المفكرين المصريين في نقل إعجابهم بالتجربة النهضوية اليابانية عن طريق كتاباتهم المختلفة، فقد نشرت جريدة الواعظ المصرية في عدد 25 مارس 1904 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني(1874-1944)، تجربة الشاعر المصري حافظ إبراهيم حين كتب قصيدة «اليابان» ، التالية:
1- سَارَتْ أُمَّةُ الْيَابَانِ شَوْطًا إِلَى الْعُلَا
وَمِصْرُ عَلَى آثَارِهَا سَتَسِيرُ
2- تَعَلَّمَتِ الْيَابَانُ كَيْفَ تُجِلُّ مَنْ
يُعَلِّمُهَا، وَالْعِلْمُ فِيهَا أَمِيرُ
3- وَأَخَذَتِ الْأَسْبَابَ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ
فَأَصْبَحَتِ الْيَوْمَ الْقَوِيَّ الْخَطِيرُ
4- وَمَا النَّصْرُ إِلَّا صَبْرُ قَوْمٍ إِذَا مَشَوْا
إِلَى الْمَجْدِ لَمْ تَثْنِ الْعَزَائِمَ سُورُ
5- بَنَتْ مَجْدَهَا بِالْعِلْمِ حَتَّى غَدَتْ
لَهَا فِي ذُرَى التَّارِيخِ أَعْلَى سُتُورُ
6- إِذَا قِيلَ: أَيْنَ الشَّرْقُ؟ قَالَتْ: هُنَا
فَفِيهَا مِنَ الشَّرْقِ الْعَظِيمِ حُضُورُ
7- فَيَا قَوْمُ خُذُوا بِالْعِلْمِ سُبُلَ الرُّقَى
فَإِنَّ طَرِيقَ الْجَهْلِ لَيْلٌ قَصِيرُ
8- وَلَا تَرْكَنُوا لِلدَّهْرِ يَشْكُو صَنِيعَكُمْ
فَمَا الدَّهْرُ إِلَّا مَا يُرِيدُ الْبَصِيرُ
9- إِذَا الشَّعْبُ لَمْ يَنْهَضْ بِعِلْمٍ وَعَزْمِهِ
فَلَيْسَ لَهُ بَيْنَ الشُّعُوبِ عُبُورُ
كُتبت القصيدة في مطلع القرن العشرين، عقب انتصار اليابان على روسيا القيصرية (1904–1905)، وهو حدثٌ هزّ العالم كله، ولا سيما الشرق الإسلامي والعربي، للأسباب الآتية:
• اليابان دولة شرقية استطاعت أن تهزم قوة أوروبية كبرى.
• جاء الانتصار بعد إصلاحات شاملة (عصر ميجي 1868)، شملت:
• تحديث التعليم
• بناء جيش وطني حديث
• الانضباط والعمل المؤسسي
في المقابل، كانت مصر والعالم العربي يعيشان:
• الاستعمار
• التخلف التعليمي
• الجمود السياسي والفكري
لذلك رأى الشاعر حافظ إبراهيم في اليابان نموذجًا حيًّا للنهضة الممكنة، لا مجرد حدث عسكري. والفكرة العامة للقصيدة تقوم على فكرة مركزية هي، النهضة لا تقوم بالقوة وحدها، بل بالعلم، والصبر، والعمل المنظّم، والاحترام الحقيقي للمعرفة.ويجعل الشاعر من اليابان:
• مثالًا عمليًا
• ومرآةً ناقدة لحال مصر والشرق
ويتوالى الإعجاب بالتجربة اليابانية ففي 6 أبريل من عام 1904م نشرت جريدة المؤيد قصيدة أخرى"غادة اليابان" تأليف/ شاعر النيل حافظ إبراهيم تعاطفا مع دولة اليابان ، وهي كالتالي:
1- رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ غَادَةً يَابَانِيَّةً
تَشْكُو إِلَيَّ صُرُوفَ الدَّهْرِ أَلْوَانًا
2- شَكَتْ غُزَاةً أَتَوْهَا مِنْ مَمَالِكِهِمْ
فَاسْتَعْبَدُوا الشَّعْبَ وَاسْتَحَلُّوا لَهُ الْأَوْطَانَا
3- قَالَتْ: أَتَوْا بِحَدِيدِ النَّارِ يَحْمِلُهُ
قَوْمٌ يَرَوْنَ الْعَدْلَ فِي الْقَتْلِ عُدْوَانَا
4- هَتَكُوا سُتُورَ الْحِمَى لَمْ يُبْقِ جَوْرُهُمُ
طِفْلًا، وَلَا شَيْخَ دِينٍ كَانَ أَوْ شَانَا
5- كَمْ أُمَّةٍ أُزْهِقَتْ أَرْوَاحُهَا سَفَهًا
وَكَمْ بَرِيءٍ غَدَا فِي الْحَرْبِ قُرْبَانَا
6- أَيْنَ الْحَضَارَةُ؟ أَيْنَ الْعِلْمُ؟ أَيْنَ فَمٌ
كَانَ يُنَادِينَا إِخَاءً، ثُمَّ خَانَا؟
7- قَالُوا: أَتَيْنَا لِنَبْنِيَ الْأَرْضَ، فَانْقَلَبُوا
يَهْدِمُونَ الْمَجْدَ إِنْ هَبُّوا بُنْيَانَا
8- فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَقْصَى الشَّرْقِ، مَعْذِرَةً
هَذَا زَمَانٌ رَأَى الْإِنْصَافَ بُهْتَانَا
9- النَّاسُ فِيهِ ذِئَابٌ، لَا رَحِيمَ لَهَا
إِلَّا الْقَوِيَّ إِذَا مَا زَادَ طُغْيَانَا
10- نَامِي عَلَى أَمَلٍ، فَالتَّارِيخُ مُنْتَبِهٌ
وَسَوْفَ يُوقِظُ يَوْمًا الْحَقَّ إِنْسَانَا
تدور القصيدة حول فتاة يابانية (غادة) يتعرّض وطنها للاحتلال والحرب، فتمثل رمزًا للضعف الإنساني أمام قسوة الاستعمار والحروب. يصوّر حافظ إبراهيم معاناة هذه الفتاة وما حلّ بها وبقومها، ليعبّر من خلالها عن التعاطف مع الشعوب المستضعفة، وينتقد الظلم والاستبداد، لم يكن اختيار اليابان لمجرد الغرابة، بل لأنها في زمن حافظ إبراهيم كانت حاضرة في الوعي العربي بوصفها دولة: تعرّضت لصراعات وحروب كبرى، ومرّت بتحولات قاسية، فاستخدم الشاعر "غادة اليابان" رمزًا إنسانيًا عامًا، وليس مجرد وصف لفتاة بعينها. أهم الأفكار في القصيدة، هي كالتالي:
• تصوير براءة الأنثى في مواجهة العنف.
• إدانة الحروب والاستعمار.
• التعاطف مع الضحايا الأبرياء.
• إبراز الجانب الإنساني العالمي بعيدًا عن الحدود والعرق.
وفي الحلقة القادمة نتناول تجربة أخرى للمفكرين المصريين.