فيما جرى الاحتفاء في كل من بيونج يانج وبكين بنتائج قمة مهمة، جمعت الأسبوع الماضي، بين الرئيس الصيني، شي جين بينج، والزعيم الكوري، كيم جونج-أون، سادت حالة من القلق في سول وطوكيو، نتيجة -لما تريانه- غياب البرنامج النووي الشمالي، وكذلك تجاهل القضايا الأمنية في شبة الجزيرة الكورية في بنود القمة.
عقب انتهاء زيارة الرئيس شي جين بينج التاريخية لبيونج يانج، ذكرت وسائل الإعلام الكورية الشمالية أن الزعيم الصيني شكر نظيره كيم جونج-أون على محادثات القمة المثمرة، وكرم الضيافة وحفاوة الاستقبال، ووصف العلاقات الثنائية بأنها دخلت مرحلة جديدة، وأنه مستعد للنهوض بالقضية الاشتراكية بكلا البلدين.
في الوقت نفسه، تعهد شي بتوسيع التعاون العسكري بين بكين وبيونج يانج، وتعميق التبادلات في مجالات الدبلوماسية والاقتصاد والثقافة والعلوم. ولم تذكر وسائل الإعلام الكورية الشمالية أي شيء عن التعاون العسكري، كما لم يتطرق أي منهما إلى البرنامج النووي الشمالي، ولا للوضع الأمني في شبه الجزيرة الكورية.
لم تشر وكالة الأنباء الكورية الشمالية ولا وكالة أنباء شينخوا الصينية إلى أي من القضيتين، علمًا بأن الرئيس شي كان قد أكد خلال زيارته السابقة لبيونج يانج (2019) أن الصين ستعمل على نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية.
وزير الدفاع الصيني، دونج جون، كان ضمن الوفد المرافق لـ شي خلال الزيارة. ويصادف يوم 11 يوليو المقبل مرور 65 عامًا على توقيع معاهدة الصداقة والتعاون، والمساعدة المتبادلة في حال تعرض أي من الطرفين لهجوم مسلح. وقد اتفق الجانبان-الصيني والكوري-على إقامة فعاليات لإحياء ذكرى توقيع المعاهدة.
كيم يو-جونج، شقيقة الزعيم الشمالي ومديرة قسم في اللجنة المركزية للحزب الكوري، كانت قد استبقت زيارة الرئيس الصيني بتأكيد أن وضع كوريا الشمالية كدولة نووية خط أحمر، لا رجعة فيه على الإطلاق، وحقيقة لا يمكن إنكارها سواء اعترف بها الآخرون أم لا، رافضة الجهود الدولية الرامية إلى نزع السلاح النووي.
رفضت كيم تصريحات أدلى بها مسئول أمريكي (ووصفتها بالأكاذيب) أشار فيها إلى أن الرئيس دونالد ترامب، والزعيم الصيني أكدا مجددًا -في أثناء قمتهما الأخيرة في بكين- هدفهما المشترك، المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية، وقالت: "نحن ملتزمون بتعزيز قدراتنا الدفاعية في مواجهة الحشود المعادية".
من جانبه، وخلال زيارة لمصنع متخصص في إنتاج المواد النووية، صرح الزعيم كيم بأن قدرة بلاده على إنتاج مواد نووية صالحة لصنع الأسلحة قد زادت إلى أكثر من الضعف خلال السنوات الخمس الماضية، أيضًا، طلب زيادة إنتاج الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز بمقدار مرتين ونصف خلال السنوات الخمس المقبلة، باعتبارها مهمة أساسية لتلبية ما وصفه بالزيادة الحادة في الطلب على الصواريخ.
تعقيبًا على نتائج قمة شي-كيم، وخلوها -بصورة لافتة- من أي إشارة إلى الملف النووي أو إلى الأوضاع في شبه الجزيرة الكورية، أكدت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية -مجددًا- هدفها المتمثل في نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية.
أما وزارة الوحدة في كوريا الجنوبية فقد أشارت إلى أن دعوة الرئيس الصيني إلى توسيع التعاون العسكري بين بكين وبيونج يانج مسألة تستحق المتابعة عن كثب.
بدوره، قال رئيس كوريا الجنوبية، لي جيه-ميونج: "يجب ألا نتخلى عن مسعى نزع السلاح النووي، لأننا لا نستطيع الحصول على أسلحة نووية بأنفسنا". وتساءل: "إذا اتجهت كوريا الجنوبية نحو التسلح النووي، فهل تظنون حقًا أن اليابان أو تايوان ستبقيان مكتوفتي الأيدي؟". أضاف: "سينتهي الأمر بالجميع إلى حيازة أسلحة نووية، وستتحول المنطقة بأكملها إلى بؤرة توتر نووي".
أيضًا، قال الرئيس لي جيه-ميونج: "إن اقتصاد كوريا الجنوبية -الذي يعتمد بصورة كبيرة على الصادرات للخارج- لن يصمد -بكل تأكيد- أمام عقوبات دولية قاسية قد تفرض عليها في حال سعت لحيازة أسلحة نووية في انتهاك للقواعد الدولية"، مؤكدا: "لا يمكننا أن نصبح مثل كوريا الشمالية.. ولا الصمود أمام العقوبات".
فيما يتعلق بفرص محادثات لنزع السلاح النووي من بيونج يانج، وقد يجري الاتفاق بشأنها، يرى الرئيس لي أنه يجب البدء بوضع أهداف محدودة وقصيرة المدى، من بينها التوصل إلى وقف مؤقت لإنتاج المواد النووية في كوريا الشمالية.
في تطور لاحق، نقلت الإيكونوميست البريطانية عن الرئيس لي قوله: "إن كوريا الشمالية ستكون أقل ميلاً للتخلي عن ترسانتها النووية عقب الحرب على إيران".
أيضًا وفي اليوم التالي للقمة الكورية الشمالية-الصينية، صدرت الصحف في سول بعناوين ملفتة، منها: "كوريا الشمالية تتباهى بإستراتيجية الأمن مع روسيا، والاقتصاد مع الصين، وتتجاهل كوريا الجنوبية" (كيونجهيانج شينمون)، و"كوريا الشمالية أصبحت محورًا رئيسيًا في حملة الصين المناهضة للولايات المتحدة؛ مما يشير إلى مرحلة جديدة من التعاون بين بيونج يانج وبكين (دونج-آه إلبو).
حالة القلق تجاه نتائج القمة الكورية-الصينية بدت -بوضوح أكثر- في اليابان، ووصلت إلى حد نقل هيئة الإذاعة والتليفزيون NHK عمن وصفتهم بخبراء "بأن بكين قد تتخذ موقفًا يتسم بالتسامح الفعلي مع أنشطة بيونج يانج النووية".
أعادت الهيئة اليابانية NHK نشر تصريحات كان قد أدلى بها الرئيس الصيني شي جين بينج عام 2019، عقب قمة مماثلة جمعته مع نظيره الشمالي، كيم جونج-أون، جاء فيها أن "بكين مستعدة للعب دور إيجابي وبناء في تحقيق نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية وصولاً إلى الاستقرار طويل الأمد في المنطقة".
بقيت الإشارة إلى ما جاء في التقرير السنوي الصادر يوم الإثنين الماضي عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام بخصوص تزايد اعتماد الدول على سلاح الردع النووي، بما يتعارض مع الجهود الدولية المبذولة لتقليل عدد ودور هذه الأسلحة.
ذكر التقرير أن الدول التسع المسلحة نوويًا لديها ما يقدر بنحو 12187 رأسًا. تمتلك روسيا منها 5420 رأسا حربيا، تليها الولايات المتحدة بـ 5042 رأسًا، ويعتقد أن الدولتين تمتلكان أكثر من 80% من إجمالي المخزون العالمي. أيضًا، تمتلك الصين ثالث أكبر مخزون من الرؤوس الحربية النووية بما يبلغ 620 رأسًا، وتنمو ترسانتها بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى.
بقية الرؤوس الحربية لدى الدول النووية الست الأخرى، هي على التوالي: فرنسا (290 رأسًا حربيًا)، المملكة المتحدة (225 رأسًا)، الهند (190 رأسًا)، باكستان (170 رأسًا)، إسرائيل (90 رأسًا)، وأخيرًا.. كوريا الشمالية (60 رأسًا حربيًا).
[email protected]