أمريكا وإيران.. سيناريوهات ما بعد مذكرة التفاهم

14-6-2026 | 14:25

 حرب ثم تفاهم على مفاوضات الملفات الخلافية.. هكذا وصلت المعركة العبثية بين أمريكا وإيران لتبقى السيناريوهات السيئة مطروحة والمسببات قائمة والنزاعات واردة فقد استعصى على الطرفين الوصول إلى صورة انتصار صريح، فوجد كل منهما في مذكرة تفاهم، تعد في فقه البروتوكولات الدولية أقل مستوى من التوافقات، المخرج الذي يحفظ ماء الوجه، ويوفر صورة انتصار يمكن تقديمه للشعب الأمريكي أو الإيراني، لكن تبقى الحقيقة التي ينكرها الطرفان؛ وهي أن أمريكا لم تنتصر وإيران لم تستسلم. 

فالتوقيع على مذكرة التفاهم، التي جرى التوافق عليها بين الولايات المتحدة وإيران، في تقديري لن ينهي النزاع بين الطرفين، وإن نجحت في وقف الحرب التي اندلعت في فبراير الماضي، إذ ستتبعها معركة تفاوضية لا تقل ضراوة عن الحرب، ولن تحسم مدة الستين يومًا التي حددتها مذكرة التفاهم بين الطرفين القضايا العالقة والملفات الشائكة، والتي كانت سببًا في نشوب الحرب؛ وأعني هنا ملفات البرنامج النووي الإيراني والعقوبات والأموال المجمدة، وما يسمى بأذرع إيران في المنطقة..

فقد شهدت المفاوضات التي جرت خلال الشهرين الماضيين بدعم مصري باكستاني وإقليمي أيضًا جهودًا شاقة ومعقدة لتقريب وجهات النظر المتباعدة بين الطرفين بفعل انعدام الثقة المتبادلة، وتباعد المواقف وحدة المطالب وإفراطها، علاوة على أن وجود إسرائيل على خط المفاوضات، وسعيها الدائم لإفشالها، بغية استمرار الحرب، ساهم في الحد من فرص الحلول السلمية الحاسمة، وتسبب في دعم التشدد الأمريكي في طرح الحلول، للحد الذي طلب فيه ترامب من إيران الاستسلام في بداية المفاوضات. 

المؤكد أن اليوم التالي لتوقيع مذكرة التفاهم التي تم التوافق على توقيعها عن بعد أى إلكترونيا؛ بسبب رفض الجانب الإيراني الجلوس مع الأمريكي في صورة واحدة، في دلالة على أن حالة عدم الثقة لا تزال قائمة سيحمل العديد من التحديات الصعبة والتجاذبات الحادة؛ حيث يتوقع أن تشهد معركة التفاوض، المزمع إجراؤها بين أمريكا وإيران، شدًا وجذبًا؛ إذ إن كل بند في البنود الأربعة عشر، الواردة في مذكرة التفاهم، تحتاج إلى مفاوضات شاقة ومعقدة للوصول إلى توافق يرضي الطرفين، خصوصا في ظل تشدد بل ورفض الصقور سواء في أمريكا أو إيران الذين يرون أن ما تم التوافق عليه لا يلبي مطالب شعبية ضرورية خصوصا في إيران حيث ترفض شريحة واسعة من المتشددين تقديم أي تنازلات في المفاوضات أو التراجع عن مكتسبات حققتها إيران وأهمها الملف النووي وإدارة مضيق هرمز.

 في الملف النووي الذي كان سببًا رئيسيًا في النزاع، فإن إيران ترفض مطلب أمريكا تسليم ما لديها من مواد نووية عالية التخصيب وتقترح تخفيف تركيزها على أراضيها، كما ترفض وقفًا نهائيًا للتخصيب وترى في ذلك حقًا سياديًا لا جدال فيه، كما أن إيران تشترط أيضًا الحصول على أموالها المجمدة والبالغة 125 مليار دولار كشرط للاتفاق، وهو ما ترفضه أمريكا وتطرح الإفراج عن بعض هذه الأموال شريطة استجابة إيران للمطالب.

ملف ثالث ما زال محل خلاف حاد؛ وهو وقف التمويل والدعم الإيراني لما يسمى بأذرع إيران في المنطقة، وفي مقدمتهم حزب الله؛ إذ تصر إيران على استمرار دعمها، بل وتصر على ربط المسار اللبناني معها عبر مطالبتها بوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، كشرط في الاتفاق؛ وهو ما تعارضه إسرائيل، بل وتعمل وفق خطة منهجية لإشعال الجبهة اللبنانية عبر التدمير والتهجير الذي يقوم به جيش الاحتلال لإفساد الإتفاق الذي يعارضه نتنياهو، ويرى فيه أنه لا يحقق أهداف إسرائيل التي سعت إليها في الحرب وأولها إسقاط النظام وتفكيك البرنامجين الصاروخي والنووي. 
 
هكذا تبدو المواقف متباعدة والرؤى متصادمة والملفات متقاطعة، وأن نقلها من ساحة المعركة إلى طاولة التفاوض لا يعني الإفراط في التفاؤل في التوصل إلى حل نهائي، بل يشير إلى أن أيام مرحلة ما بعد مذكرة التفاهم حبلى بالكثير من الصعوبات والأزمات الحادة التي تضع المنطقة بكاملها على حبل مشدود من جديد، لكن يكفي الآن القول إن وقف هذه الحرب العبثية يعد إنجازًا يحسب للوسطاء، بعد أن كلفت الدول العربية والعالم فاتورة باهظة، وهددت الأمن القومي العربي ما يجعل توقفها إنجازًا إستراتيجيًا مهمًا لدول المنطقة والعالم؛ حيث سيتم على الفور فتح مضيق هرمز، ما يؤدي إلى استئناف حركة المرور عبر المضيق، وعودة حركة التجارة العالمية إلى طبيعتها، وقد تنفست أسواق الطاقة والأسواق العالمية الصعداء فور الإعلان عن التوصل إلى مذكرة التفاهم؛ حيث تراجع سعر البترول من 95 إلى 89 دولارًا للبرميل على الفور مع إغلاق نهاية الأسبوع، وهو الانخفاض الأكبر منذ مارس الماضي وسط توقعات بمواصلة النزول إلى 80 دولارًا خلال الأيام المقبلة مع التوقع النهائي على مذكرة التفاهم. 

ورغم ذلك تبقى الحقيقة الدقيقة أن هذه الحرب دون النظر إلى نتائجها في مرحلة التفاوض سيكون لها ما بعدها في المنطقة، وعلى الدول العربية تحديدًا ما يتطلب مراجعة جادة وعاجلة لمحددات الأمن القومي العربي الذي تعرض للخطر الجسيم خلال تلك الحرب، وبات من الضروري ضبط العلاقات الخليجية الإيرانية، وأيضًا الخليجية الأمريكية، بعد أن تحولت الأراضي العربية في الخليج إلى ساحة للحرب؛ بفعل تجرؤ إيران على انتهاك سيادة دول الخليج والعدوان عليها طوال الحرب؛ بزعم وجود قواعد عسكرية أمريكية تنطلق منها الهجمات، كما لا يمكن تجاهل دور إسرائيل الخبيث في المنطقة قبل وأثناء الحرب، ومحاولتها توسيع نفوذها على حساب الدول العربية؛ إذ أصبحت السبب الرئيسي في زعزعة استقرار المنطقة، ما يتطلب وقفة حاسمة لردع هذا الكيان المحتل وإجباره على الانسحاب من غزة ولبنان وسوريا، والتوقف عن إذكاء النزاعات، وتأجيج الفتن في المنطقة، والعمل فورًا على تنفيذ استحقاقات الاتفاقيات التي تم التوصل إليها وفي مقدمتها اتفاق غزة. 

يبقى حساب ترامب من شعبه على هذه الحرب من السيناريوهات المرتقبة أيضًا بشدة في مرحلة ما بعد الاتفاق؛ إذ تؤكد كل التقارير أن ترامب أصبح في مرمى الاتهام من صقور الإدارة الأمريكية قبل المعارضين من الحزب الديمقراطي؛ لتوريط أمريكا في هذه الحرب بعد أن تبين أن خطته للحرب كانت مبنية على معلومات أو توقعات مضللة، وفشلت في تحقيق أهدافها المعلنة في إسقاط النظام الإيراني، والقضاء نهائيًا على البرنامج النووي، وأن تكون حربًا خاطفة على غرار عملية فنزويلا لكن ما حدث أن أصبحت أمريكا عالقة في الحرب التي جرها إليها نتنياهو، وتكبدت خسائر فادحة تتجاوز مائة مليار دولار، وأضرت بأمن حلفاء أمريكا بالمنطقة، ولعل تلك النتائج أصبحت تمثل في غالبية الدوائر الأمريكية صحيفة اتهام دامغة، سوف يستغلها خصوم ترامب السياسيون في الانتخابات النصفية القادمة وربما يخسر ترامب الأغلبية في الكونجرس؛ حيث تشير كل استطلاعات الرأي إلى تراجع حاد في شعبيته.

.. هكذا وصلت أمريكا وإيران إلى تفاهم عن بعد.. واتفاق أراه بعيدًا.. لتبقى نتيجة هذه الحرب العبثية هي الحقيقة التي يتجاهلها الطرفان، وسيكون لها ما بعدها.

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة