بين ترامب وطهران.. صراع الاتفاق

12-6-2026 | 11:53

يثير التباين الظاهر بين إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التوصل إلى “تسوية رائعة” مع إيران واقتراب توقيع اتفاق جديد، وبين تأكيد طهران أنها لم تتخذ بعد قراراً نهائياً بشأن الاتفاق، تساؤلات عديدة حول حقيقة ما يجري في الكواليس. غير أن قراءة المشهد في سياقه الأوسع تكشف أن الأمر يتجاوز مجرد خلاف في التصريحات أو تباين في التقديرات، ليعكس مرحلة انتقالية حساسة تشهدها المنطقة بأسرها، في ظل محاولة إعادة ترتيب التوازنات الإقليمية بعد شهور طويلة من التصعيد العسكري والمواجهات غير المباشرة.

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط باتفاق محتمل بين واشنطن وطهران، وإنما ترتبط أيضاً بمستقبل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط، وبكيفية إدارة الصراع بين الولايات المتحدة وإيران، وبموقع إسرائيل في معادلات الأمن الإقليمي خلال المرحلة المقبلة.

ترامب وصناعة الواقع السياسي

في العادة لا يغامر رئيس أمريكي بالإعلان عن اقتراب اتفاق كبير قبل اكتمال جميع تفاصيله، إلا إذا كان يسعى إلى تحقيق أهداف سياسية تتجاوز مجرد الإخبار بما يجري على طاولة التفاوض.

من هذا المنطلق يمكن فهم تصريحات ترامب باعتبارها محاولة لصناعة واقع سياسي جديد أكثر منها مجرد وصف للواقع القائم. فعندما يعلن أن الحرب تقترب من نهايتها وأن هناك تسوية باتت في متناول اليد، فإنه يبعث برسائل متعددة في وقت واحد.

• الرسالة الأولى موجهة إلى إيران، ومضمونها أن كلفة التراجع عن المسار التفاوضي ستكون مرتفعة سياسياً، وأن أي تعثر لاحق قد يضع طهران في موقع الطرف الذي أفشل فرصة التسوية.

• الرسالة الثانية تتجه إلى إسرائيل، التي تراقب المفاوضات بقلق واضح، ومفادها أن واشنطن تتحرك نحو مسار دبلوماسي ينبغي عدم عرقلته عبر خطوات عسكرية قد تعيد المنطقة إلى دائرة التصعيد.

• الرسالة الثالثة تستهدف القوى الإقليمية والأسواق الدولية معاً، عبر الإيحاء بأن مرحلة جديدة قد تكون بصدد التشكل، وأن احتمالات الانزلاق إلى حرب واسعة بدأت تتراجع، ولا ننسى تزامن الإعلان مع إنطلاق كأس العالم، وما يخلقه تنظيم البطولة من فرص اقتصادية تدعم العلامة الوطنية للدول المنظمة، وأيضًا ما يفرضه من تحديات أمنية وسط ترقب أجهزة المعلومات والاستخبارات الأمريكية لأي حدث يمكن أن يشكل تهديدًا على البطولة.

وفي هذا السياق أيضًا، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي الأوسع. فمنذ اندلاع المواجهات الأخيرة بين إيران وإسرائيل، ظل النفط ومضيق هرمز في قلب الحسابات الدولية. ولذلك فإن أي إشارة إلى اقتراب اتفاق أمريكي ـ إيراني تحمل تلقائياً رسائل طمأنة للأسواق العالمية بشأن أمن الطاقة واستقرار حركة التجارة الدولية.

كذلك تدرك الإدارة الأمريكية أن أي اختراق في الملف الإيراني يمكن تقديمه باعتباره إنجازاً دبلوماسياً مهماً، خاصة إذا جاء بعد فترة اتسمت بارتفاع مستويات التوتر والمواجهة.

طهران تتحدث بلغة الحذر

في المقابل، فإن الموقف الإيراني لا يعكس بالضرورة رفضاً لما يجري تداوله، بقدر ما يعكس حرصاً على عدم إعلان النهايات قبل الوصول إليها فعلياً.

فاللافت أن طهران لم تنف وجود مفاوضات متقدمة، ولم تنكر إنجاز أجزاء مهمة من النص التفاوضي، بل ركزت على نقطة واحدة تتمثل في عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

وهذه نقطة شديدة الأهمية، لأنها توحي بأن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ الاتفاق نفسه، وإنما حول بعض تفاصيله النهائية وآليات تنفيذه وضماناته.

ومن الصعب فهم هذا الحذر الإيراني دون استحضار تجربة عام 2018، عندما انسحبت إدارة ترامب من الاتفاق النووي بصورة أحادية بعد سنوات من التفاوض والتوقيع والتنفيذ.

من منظور طهران، فإن المشكلة لم تكن يوماً في الوصول إلى اتفاق، بل في ضمان استمراره. ولهذا السبب تبدو القيادة الإيرانية حريصة على عدم منح الرأي العام انطباعاً بأن الأمور حُسمت بالكامل قبل الحصول على ما تعتبره ضمانات كافية.
لذلك يمكن قراءة التصريحات الإيرانية باعتبارها محاولة للإبقاء على أوراق التفاوض حتى اللحظة الأخيرة، وليس إعلاناً عن فشل المسار التفاوضي.

اتفاق إطاري أم اتفاق نهائي؟

الحديث المتكرر عن “مذكرة تفاهم” أو “اتفاق إطاري” قد يكون مفتاح فهم المشهد بأكمله.

ففي العلاقات الدولية نادراً ما تنتقل المفاوضات المعقدة من مرحلة الخلاف إلى مرحلة الاتفاق النهائي دفعة واحدة. وعادة ما تمر العملية بثلاث مراحل متتابعة: تفاهمات سياسية أولية، ثم اتفاق إطاري يحدد المبادئ العامة، ثم اتفاق نهائي يتضمن التفاصيل التنفيذية والقانونية.

ويبدو أن ما يحدث حالياً يقع في المنطقة الفاصلة بين المرحلتين الثانية والثالثة.

فالمؤشرات المتوافرة توحي بأن الطرفين توصلا بالفعل إلى تفاهمات بشأن الأهداف العامة والمبادئ الأساسية والخطوط العريضة للاتفاق، لكن بعض الملفات التفصيلية لا تزال قيد النقاش.

من هنا، يمكن تفسير الفارق بين الخطابين الأمريكي والإيراني. فواشنطن تتحدث عن نجاح سياسي تحقق بالفعل، بينما تتحدث طهران عن تفاصيل لم تُحسم بعد.

وفي كثير من الأحيان تكون مثل هذه المرحلة هي الأصعب، لأن الخلافات المتبقية تكون مرتبطة بقضايا السيادة والضمانات وآليات التنفيذ، وهي ملفات لا تقبل التنازل بسهولة.

المعضلة الإسرائيلية

غير أن العنصر الأكثر تعقيداً في المشهد لا يتعلق بواشنطن أو طهران فقط، وإنما بإسرائيل أيضاً.

فأي اتفاق أمريكي ـ إيراني ستكون له انعكاسات مباشرة على الحسابات الاستراتيجية الإسرائيلية.

فمن الواضح أن تل أبيب تنظر إلى المسألة من زاويتين متداخلتين.

الأولى تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، حيث يبقى السؤال المركزي: هل يفرض الاتفاق قيوداً فعالة وطويلة المدى على القدرات النووية الإيرانية أم يمنح طهران مساحة إضافية للمناورة؟

أما الزاوية الثانية فتتعلق بالنفوذ الإقليمي الإيراني وشبكة التحالفات والقوى المرتبطة به في أكثر من ساحة إقليمية.

وهنا قد تظهر فجوة بين الأولويات الأمريكية والإسرائيلية. فالولايات المتحدة قد ترى أن منع الحرب واحتواء الملف النووي يمثلان أولوية عاجلة، بينما تنظر إسرائيل إلى التحدي الإيراني باعتباره منظومة متكاملة تتجاوز الملف النووي وحده.

ولهذا السبب ستظل ردود الفعل الإسرائيلية أحد العوامل المؤثرة في مستقبل أي تفاهم محتمل.

إدارة الصراع لا إنهاؤه

رغم الحديث المتزايد عن اقتراب الاتفاق، فإن من المبكر الحديث عن نهاية للصراع الأمريكي الإيراني أو عن نهاية لحالة التوتر في المنطقة.

فالقضايا الجوهرية التي أنتجت الأزمة ما زالت قائمة، سواء تعلق الأمر بالبرنامج النووي الإيراني، أو بالنفوذ الإقليمي لطهران، أو بالحسابات الأمنية الإسرائيلية، أو بطبيعة التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة وإيران.

ولهذا فإن أي اتفاق محتمل لن يكون على الأرجح اتفاقاً لإنهاء الصراع، بقدر ما سيكون إطاراً جديداً لإدارته وضبط إيقاعه ومنع تحوله إلى مواجهة مفتوحة.

من إدارة التصعيد إلى إدارة التسوية

ربما تكمن الدلالة الأهم في مجمل التصريحات الأخيرة في أنها تعكس تحولاً تدريجياً في أولويات جميع الأطراف.

فبعد أشهر طويلة سيطرت خلالها لغة الردع والضربات العسكرية والتهديدات المتبادلة، عادت لغة التفاوض والتسويات إلى الواجهة من جديد.

ولا يعني ذلك أن أسباب الصراع اختفت أو أن التناقضات الاستراتيجية بين الأطراف المعنية قد جرى تجاوزها، وإنما يعني أن كلفة استمرار التصعيد أصبحت مرتفعة على الجميع.

فالولايات المتحدة لا ترغب في الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة قد تربك أولوياتها الدولية. وإيران تدرك أن أي مواجهة شاملة تحمل مخاطر اقتصادية وأمنية كبيرة. أما إسرائيل فتعلم أن الصدام المفتوح مع إيران يظل خياراً بالغ الكلفة وغير مضمون النتائج.
لهذا يبدو أن المنطقة تقف اليوم أمام انتقال تدريجي من مرحلة إدارة التصعيد إلى مرحلة إدارة التسوية. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كان الاتفاق قريباً أم لا، بل بما إذا كانت الأطراف المختلفة قادرة على تحويل هذا الاتفاق ـ إن تم ـ إلى ترتيب مستقر وقابل للحياة، أم أن التناقضات المؤجلة ستعود للظهور من جديد عند أول اختبار حقيقي.

وعند هذه النقطة تحديدًا سيتحدد ما إذا كانت المنطقة مقبلة على مرحلة تهدئة طويلة نسبياً، أم أنها أمام هدنة مؤقتة تسبق جولة جديدة من الصراع.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: