لا أنسى ما شاهدته في مسلسل "الأرض" الذي كان يبث عبر التليفزيون المصري، كان الممثل أحمد آدم يحاول أن يشرح للفلاح جدوى عدم حرق قش الأرز لما له من تأثير كبير بالسلب على صحة الناس، من إطلاق الدخان وغازات سامة.. فيرد الفلاح بأنه لا يستطيع أن يفعل بالقش أي شيء ولا يعرف له استعمالاً.. فيجيب الفنان بأن هناك طريقتين لاستعماله، أولاً بوضع "المولاس" – العسل الأسود – عليه وإطعامه للمواشي والبهائم.. والطريقة الثانية استخدامه في مراكز زراعة عيش الغراب "المشروم".
ورغم كل تلك النصائح والتنبيهات والبرامج والمسلسلات، كنت أشاهد آلاف المناطق تحرق قش الأرز لتلوث الهواء.. ولا تستفيد منه.
بداخلي كنت أتساءل دومًا.. هل معقول أن قش الأرز هذا لا توجد منه فائدة ولا تفلح معه أي صناعة جديدة.. ولا تطوره أي تكنولوجيا جديدة؟
مرت السنون، وتطورت الدنيا والتكنولوجيا بسرعة رهيبة تفوق تصوراتنا.. كأنها تسير بسرعة قطار يتجاوز أفكارنا.. والآن قرأت وسمعت عن شراكة بين محافظة كفر الشيخ وإحدى الشركات الخاصة لتوريد قش الأرز من المزارعين لتحويله إلى أخشاب.. إنها البشرى.. سنحل مشكلة عويصة منتشرة في مصر، وهي حرق قش الأرز والسحابة السوداء التي يخلفها حرق قش الأرز ودخانه والاختناق الذي يصيب السماء وأصحاب الصدور الضيقة.. ولا ننسى أننا سنستفيد بخشب مُصنع عالي الجودة يصلح لاستخدامات عديدة.
وإن كانت مصر ليس لديها غابات.. فالآن لديها زراعات الأرز ومن ثم القش الناجم عنها.. وأزف إليك بشارة أخرى، فتصنيع الخشب لا يقتصر الآن على القش وحده.. فهناك مصاصة قصب السكر.
ولذلك ليس مستغرباً أن يكون لدى مصر مصنعٌ متطورٌ هو الآخر لصناعة الأخشاب في قلب مدينة نجع حمادي معقل قصب السكر، والمصنع يستخدم (مصاصة) قصب السكر.. ويضرب عصفورين بطريقة عبقرية في آن واحد.. وقف استخدام المخلفات كوقود في مصانع السكر لتوليد الطاقة الحرارية والكهربية، مما خفض نسبة الكربون المنبعث في الجو وبالتالي حماية البيئة من التلوث، وثاني عصفور، صناعة الأخشاب بعيداً عن الغابة كأن التكنولوجيا تهدي إلينا ميزات فوق الميزات.
هناك أيضاً أخشاب من مخلفات النخيل ومخلفات القمح.. وهناك تكنولوجيا تحول كل هذه المخلفات لألواح خشبية عالية الجودة تُستخدم في صناعة الأثاث الفاخر والديكورات، وتدر ملايين وتوفر ملايين.
وللحقيقة فإن الأرقام مبشرة حين نعلم أن الحكومة ممثلة في وزارة البيئة استطاعت تجميع وإعادة تدوير نسبة تتجاوز 80% إلى 90% من هذه الكمية في السنوات الأخيرة بدلاً من حرقه.. وعقبال ما نصل إلى 100% دون حرق عود واحد.
وأخيراً أتمنى أن تخترع التكنولوجيا طريقة لاستغلال ورد النيل الذي يستهلك مياهاً كثيرة.. وينضم إلى مصانع توفير الملايين هو الآخر.. وتحويل هذه "الآفة" إلى "مورد اقتصادي مهم".