من منا لم يشعر يوماً بثقل في منطقة الرقبة بعد ساعات طويلة من الجلوس أمام شاشات الكمبيوتر أو الهواتف الذكية، ولم يجد ملاذاً سريعاً سوى "طقطقة" رقبته بحركة سريعة يميناً ويساراً؟ هذا الصوت الرنان المصحوب بشعور فوري بالراحة والتحرر من الضغط، تحول لدى الملايين إلى عادة يومية لا غنى عنها.
موضوعات مقترحة
لكن، هل تساءلت يوماً ماذا يحدث خلف كواليس هذا الصوت داخل جسدك؟ وهل هذه العادة آمنة تماماً أم أنها قد تخفي وراءها مخاطر صحية وخيمة على المدى الطويل؟ الأبحاث الطبية وآراء خبراء العظام تجيب عن هذا السؤال وتكشف حقائق قد تفاجئك.
انفوجراف
يُعتبر طقطقة الرقبة من حين لآخر أمرًا غير ضار لمعظم الأشخاص الأصحاء.
أوضح أخصائي تقويم العمود الفقري، أندرو بانج، لعيادة كليفلاند، أنه عند تحريك الرقبة إلى درجة الطقطقة، يتعرض السائل الزلالي الذي يُزلق المفاصل لانخفاض مفاجئ في الضغط، مما يؤدي إلى تكوّن فقاعات غازية ثم انهيارها.
وتُعرف هذه العملية باسم التكهف، وهي المسؤولة عن صوت الطقطقة المسموع، وفي معظم الحالات، لا تُلحق الضرر بالعظام أو الأنسجة الرخوة في المنطقة .
السر الطبي وراء صوت الطقطقة
لتفسير هذا الصوت علمياً، يجب أن نفهم طبيعة المفاصل؛ حيث يفصل بين فقرات الرقبة مفاصل صغيرة تحتوي على سائل يسمى "السائل الزلالي وتتمثل وظيفته الأساسية في تسهيل الحركة وتقليل الاحتكاك.
عندما تقوم بمد رقبته أو تحريكها بشكل مفاجئ وقوي، يحدث الآتي:
- يتوسع الفراغ بين المفاصل بشكل سريع.
- يؤدي هذا التوسع إلى انخفاض مفاجئ في الضغط داخل المفصل.
- تتشكل فقاعات غازية صغيرة (من غازات الأكسجين، النيتروجين، وثاني أكسيد الكربون) في السائل، وعندما تنفجر أو تندمج هذه الفقاعات، يصدر ذلك الصوت الشهير الذي نسمعه.
أما شعور الراحة الفوري الذي يعقب الطقطقة، فيعود إلى أن الحركة تحفز مستشعرات معينة في المفاصل، مما يؤدي إلى إطلاق هرمون الإندورفين، وهو المسكن الطبيعي للجسم الذي يمنحك إحساساً مؤقتاً بالاسترخاء وتخفيف التوتر العضلي.
هل طقطقة الرقبة عادة آمنة؟ الخبراء يحذرون
إذا كنت تفعل ذلك بشكل عابر وغير متكرر، فإن الأمر لا يتعدى كونه حركة عادية للمفاصل. ولكن، تكمن المشكلة الحقيقية عندما تتحول الطقطقة إلى عادة قهرية متكررة طوال اليوم.
يحذر أطباء جراحة العظام والعمود الفقري من عدة مخاطر قد تسببها الطقطقة المزمنة، ومن أبرزها:
1. تمدد الأربطة وفرط الحركة
تحتوي الرقبة على أربطة مرنة تمسك الفقرات ببعضها البعض وتمنحها الاستقرار. تكرار الطقطقة بعنف يؤدي إلى تمدد هذه الأربطة بشكل دائم وفقدانها لمرونتها الطبيعية، مما يتسبب في حالة تسمى "فرط الحركة"، حيث تصبح المفاصل فضفاضة وأقل استقراراً، مما يزيد من شعورك بالحاجة إلى طقطقتها مجدداً في حلقة مفرغة لا تنتهي.
2. تسريع خشونة المفاصل والتهابها
الضغط المتكرر وغير الطبيعي على المفاصل الصغيرة للرقبة يؤدي مع مرور الوقت إلى تأكل الغضاريف المحيطة بها. هذا التآكل يمهد الطريق للإصابة المبكرة بخشونة الرقبة والتهابات المفاصل المزمنة.
3. خطر الانزلاق الغضروفي (الديسك)
الحركات الفجائية والعنيفة للرقبة قد تضع ضغطاً هائلاً على الأقراص الغضروفية الموجودة بين الفقرات، مما قد يتسبب في تحركها من مكانها أو حدوث انزلاق غضروفي يضغط على الأعصاب المحيطة، وهو ما ينتج عنه آلام حادة وتنميل يمتد إلى الكتفين والذراعين.
4. الخطر الأكبر: السكتة الدماغية (نادر ولكن محتمل)
تمر عبر فقرات الرقبة شرايين حيوية هامة (الشرايين الفقرية) التي تغذي الدماغ بالدم. في حالات نادرة جداً، قد تؤدي الطقطقة العنيفة والخاطئة إلى حدوث تمزق في جدار هذه الشرايين (Vertebral Artery Dissection)، مما قد يتسبب في جلطات دموية تؤدي إلى سكتة دماغية، وهي حالة طبية طارئة تستدعي التدخل الفوري.
متى يجب عليك استشارة الطبيب فوراً؟
هناك علامات تحذيرية إذا صاحبت صوت طقطقة الرقبة (سواء حدثت تلقائياً أو قمت بها بنفسك)، يجب ألا تتجاهلها وتتوجه للطبيب فوراً:
-إذا كانت الطقطقة مصحوبة بألم حاد أو مستمر.
-الشعور بتنميل، خدر، أو "لسعات كهربائية" في الكتفين أو اليدين.
-الشعور بدوار، دوخة، أو زغللة في العين بعد تحريك الرقبة.
-إذا شعرت بصلابة وتصلب في الرقبة يمنعك من تحريك رأسك بحرية.
بدائل صحية للتخلص من تشنج الرقبة بدون طقطقة
بدلاً من اللجوء إلى هذه العادة الخطيرة لتخفيف الضغط، ينصح الخبراء بتبني عادات صحية بديلة توفر راحة حقيقية ودائمة لرقبتك:
تمارين الإطالة اللطيفة: قم بتحريك رأسك ببطء شديد نحو الكتف الأيمن ثم الأيسر، أو لأسفل نحو الصدر، والثبات لثوانٍ دون دفع الرقبة بعنف.
قاعدة 20-20-20: إذا كان عملك يتطلب الجلوس طويلاً، خذ استراحة كل 20 دقيقة لمدة 20 ثانية، وانظر إلى شيء يبعد عنك 20 قدماً، مع تحريك كتفيك ورأسك لتجديد الدورة الدموية.
تعديل الجلسة ): تأكد من أن شاشة الكمبيوتر في مستوى عينيك تماماً، وأن يديك مدعومتان، لتجنب الانحناء المستمر الذي يضع ضغطاً يعادل وزن 27 كيلوغراماً على فقرات رقبتك.
الكمادات الدافئة: استخدام وسادة دافئة على الرقبة يساعد في إرخاء العضلات المتشنجة وتقليل حاجتك للطقطقة.
وأخيراً، فإن الراحة اللحظية التي تمنحك إياها طقطقة الرقبة قد تكون خادعة؛ فسلامة عمودك الفقري وشرايينك الحيوية تستحق منك التخلي عن هذه العادة واستبدالها بحركات واعية تحمي جسدك على المدى الطويل.