يا عزيزي.. كلنا نختبئ بين السطور

11-6-2026 | 10:23

عندما سافرت للعمل بجامعة برجن النرويجية لم أكن أتخيل على الإطلاق أن أسمع تلك العبارة: "اختبئ بين السطور"!

أخبرونا فور وصولنا أن الجامعة قد اختارت أحد الأساتذة النرويجيين العالميين واسعي الشهرة ليتولى الإشراف الأكاديمي على عملنا، فكانت له لقاءات دورية منتظمة يجالسنا فيها مجتمعين أو منفردين للتعرف على مدى تقدمنا في البحث العلمي الذي نقوم على إنجازه، ويقدم لنا نصائحه وخبراته.

كان أستاذًا عبقريًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى شكلاً وموضوعًا، ينتمي لتلك الطائفة التي تعودنا أن نصفها بطائفة المجانين. بعد فترة من عملي هناك فهمت أن ما يفعله هو السلوك العادي والطبيعي، لذلك لم تفاجئني صورة العالم المصري الكبير الدكتور مجدي يعقوب وهو يرتدي حذاءً رياضيًا وملابس بسيطة ويقف في طابور السوبر ماركت، فقد كنت رأيت ذلك وعشت تفاصيله بكل دقة وتلقائية في النرويج.

كان هذا المجنون، أقصد الأستاذ النرويجي من المشاهير الذين تخصص لهم الدولة ميزانية للقيام بأبحاثه ورحلاته وتوثيق ذلك في أفلام تسجيلية. عندما أخبرونا بمشاركته لنا كنا في منتهى السعادة أن يتولى هذا العالم المشهور الإشراف الأكاديمي على عملنا ووضع أسمائنا بجوار اسمه على غلاف كتاب واحد يتم نشره في إنجلترا.

وما دام هذا الرجل مشاركًا لنا في عملنا وموجهًا لنا خلال فترة عملنا، كان من الطبيعى أن أنطلق في بحثي لأكتب رأيي دون أي قيود ولا حدود. بحثت وكتبت كل تصوراتي ووضعت توصياتي وكلي يقين أنه خلال جلسته النقاشية معي سوف ينبهر وربما انحنى أمامي تعبيرًا عن إعجابه الشديد لصراحتي وجرأتي. ولم لا وهو يحيا ويكتب بمنتهى الحرية، يعبر عن آرائه كما شاء، ينتقد ويجلد من يشاء. وجاء اليوم الموعود المخصص للقائي به، فجلسنا وبدأت في عرض ما وصل إليه بحثي من نتائج وهو ينصت بمنتهى الاحترام وفي عينيه نظرة لا أنساها جعلتني استرسل أكثر وأكثر بمنتهى الحرية والجرأة. كانت عادتهم، والتي كانت بمثابة صدمة لي، احترام كل كلمة سمعوها مهما كانت، يشعرونك أنك قد اجتهدت وقمت بما عليك، بل ويقولون لك أحسنت، جهد رائع، من الواضح أنك قد بذلت في سبيل إعداد هذا البحث كل ما تستطيع، ثم يعقبون، إن كانت لهم ملاحظة، بمنتهى الأدب: لكن ألا ترى أنه من الممكن أن يزيد بحثك موضوعية وقيمة إن أضفت إليه كذا وكذا؟ هل تعتقد أن لقاءك مع البروفيسور فلان قد يساعدك في توليد مزيد من الأفكار التي تثري بحثك؟ إلى آخره من العبارات النقدية البناءة غير المباشرة التي لا تثبط عزيمتك ولا تفترها. وحتى إن قرر أن يخالفك في الرأي تجده يقولها بمنتهى الاحترام والرقي.

وبعد أن استمع لي وجدته يثني بمنتهى الصراحة على ما قلت، وظل يفعل ذلك حتى ظننته قد انتهى، إلى أن قال: لي نصيحة واحدة أرجو أن تتقبلها، عندما تعبر عن رأيك حاول أن تختبئ بين السطور hide between lines حتى تتجنب أية مشكلات. لا أخفيكم سرًا أن كلماته قد فاجأتني وصدمتني إلى أقصى حد، وكادت أن تحبطني! إذن أين الحرية التي صدعتم رؤوسنا بها؟ أين خبراتك اللامحدودة التي حكوا لنا عنها، وقالوا إنك الوحيد القادر على نقلها إلينا، نعم أنت رجل اللاحدود واللامعقول كما وصفوك! أين ذهب كل هذا؟!

والحق أقول إن كل تلك التساؤلات كانت ظاهرة على وجهي وإن لم أبح له منها إلا بالقليل.

لكنه بنظراته المجنونة الثاقبة كان يدرك كل ما دار بذهني فابتسم بهدوء قائلاً: لا تتصور أنني جبان يا صديقي، لكن اعلم أن طرحك لأفكارك هو فن، إن لم تتقن هذا الفن، فسوف تضيع أفكارك هباءً تحت مظلة أنك عدواني غير لبق لا تجيد فن الحديث. أقول لك اعرض كل أفكارك، لا تخش شيئًا، أفرغ ما في جعبتك، قل ما يدور في ذهنك فهي أمانة في رقبتك، لكن كيف تقول كل ذلك وتعرضه؟ تلك هي المسألة. واعلم أن الصراحة العنيفة لن تفيدك في شيء، اطرح رأيك على شكل تساؤل واترك الآخرين يجيبون عليه، اعرض فكرتك دون أن توجه اتهامك لأحد، ببساطة كما قلت لك يا صديقى: اختبئ بين السطور.

سألته مستنكرًا: لا شك أنك تنصحني بذلك لأنني باحث صغير ما زلت في بداية حياتي، لكنك بالطبع تقول ما تشاء وقتما تشاء وكيفما تشاء؟ 

ابتسم وهو يلتقط حقيبته استعدادًا للانصراف: يا عزيزي كلنا نختبئ بين السطور، الاختباء بين السطور هو أسلوب حياة لا بد منه في كل وقت وحين، فالصراحة المطلقة تسير ضد طبيعة البشر، إن أردت أن يقبلوا فكرتك فلا بد أن تعلم كيف تعرضها عليهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة