أوزبكستان تقدم الحضارة الإسلامية للزمن الجديد

10-6-2026 | 14:14

تحظى أوزبكستان باهتمام عالمي بوصفها دولة حديثة تنفض عن نفسها سنوات الجمود خلال الحقبة السوفيتية، وتحاول القيادة الحالية في طشقند في ظل رؤية الرئيس شوكت ميرضيائيف أن تقدم أوزبكستان الحديثة، التي تسابق وتسهم في الزمن الجديد. ولكنها لا تنسى ماضيها، بل تقدم كنوزها للعالم، وتسلط الضوء على تراثها، وتحيي دورها كجسر بين الشرق والغرب.

وتدرك طشقند أن هذه مهمة إستراتيجيًة لتعزيز الحوارالحضاري، وإبراز الدور التاريخي لأوزبكستان في قلب العالم الإسلامي، خاصة باعتبارها موطنًا لعدد من أعلام الفكر الإسلامي مثل البخاري والترمذي وابن سينا. 

ولذلك فإن أوزبكستان قدمت للعالم "مركز الحضارة الإسلامية" في طشقند، وهذا الصرح العملاق لا يقتصر على كونه إنجازًا معماريًا، بل يُعد أيضًا رسالة ثقافية موجهة للعالم حول أهمية التراث الإسلامي في تشكيل الحضارة الإنسانية. 

وقد أصبح هذا الصرح الكبير حديث الأوساط الثقافية العالمية، بعد حصوله رسميًا على رقم قياسي في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، بوصفه أكبر متحف للحضارة الإسلامية في العالم من حيث المساحة. 

وفي ضوء هذا الاعتراف من موسوعة غينيس، أصبح مركزالحضارة الإسلامية في طشقند رمزًا عالميًا جديدًا يعكس قدرة الدول الإسلامية على إعادة تقديم تاريخها بأسلوب حديث ومؤسسي، يجمع بين البحث العلمي، والحفظ التراثي، والعرض المتحفي المتطور.

ويُعد مركز الحضارة الإسلامية في أوزبكستان في العاصمة طشقند واحدًا من أهم المشاريع الثقافية والمعمارية الحديثة في آسيا الوسطى، حيث يجمع بين البعد العلمي والتاريخي والديني في إطار متكامل يهدف إلى إبراز إسهامات الحضارة الإسلامية عبر القرون.

ويقع المركز في قلب مجمع خَسْت إمام التاريخي في طشقند، ويتميز بتصميم معماري ضخم يجمع بين الطراز الإسلامي الكلاسيكي واللمسات الحديثة. وتبلغ مساحة الموقع الإجمالية نحو 10 هكتارات، فيما يصل طول المبنى إلى 161 مترًا وعرضه إلى 118 مترًا، ويبلغ ارتفاع القبة حوالي 65 مترًا، مما يعكس حجم المشروع وطموحه الثقافي والمعماري . هذا الحجم الكبير لم يكن مجرد رقم هندسي، بل كان أحد العوامل التي أهّلته للحصول على الاعتراف العالمي.

ويضم المركز متحفًا متكاملًا يحتوي على آلاف القطع الأثرية والمخطوطات النادرة التي توثق تطور الحضارة الإسلامية عبر العصور، إضافة إلى قاعات عرض تفاعلية ومكتبات ومختبرات بحثية. 

ويهدف هذا البناء إلى تقديم سرد شامل لتاريخ العالم الإسلامي، مع التركيز على مساهمات العلماء والمفكرين في مجالات العلوم والفلك والطب والفنون، وهو ما يجعله أكثر من مجرد متحف تقليدي، بل منصة علمية وثقافية مفتوحة.

ولم تمر جهود حكومة طشقند الدؤوبة للسباق مع الزمن لإحداث نقلة نوعية، دون اهتمام ومتابعة دولية من المجتمع الدولي، ومراكز الأبحاث العالمية، والمنظمات الدولية.

وهنا على المستوى الحضاري والثقافي، تشير تحليلات مؤسسة بروكينجز الأمريكية، إلى أن القيادة الأوزبكية الحالية توظف الإرث التاريخي العميق للبلاد -الذي ارتبطت أسماء مثل البخاري وابن سينا والبيروني- كجزء من“القوة الناعمة” للدولة. 

ويظهر ذلك في مشاريع كبرى مثل ترميم المدن التاريخية، وبناء مراكز ثقافية عالمية، وعلى رأسها مركز الحضارة الإسلامية في طشقند، الذي يهدف إلى إعادة تقديم أوزبكستان كجسر حضاري بين الشرق والغرب.

وفي الوقت نفسه تُعد السياحة في أوزبكستان أحد أهم محاور التحول الاقتصادي والثقافي في البلاد، حيث تعمل الحكومة على تحويل التراث التاريخي الغني إلى مورد تنموي مستدام. 

وتشير تقارير منظمة السياحة العالمية (UNWTO) إلى أن أوزبكستان من أسرع الوجهات السياحية نموًا في آسيا الوسطى خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بتسهيل إجراءات التأشيرات، وتطوير البنية التحتية، وإعادة تأهيل المدن التاريخية مثل سمرقند وبخارى وخيوة، التي تُعد من أبرز محطات “طريق الحرير” القديم. 

كما يلفت تقرير صادر عن البنك الدولي إلى أن الاستثمار في السياحة الثقافية في أوزبكستان أصبح أداة مهمة لتنويع الاقتصاد وخلق فرص عمل، خاصة في قطاعات الضيافة والخدمات المحلية. 

وفي هذا السياق، تُبرزالتقارير الدولية أن أوزبكستان لا تسعى فقط إلى جذب الزوار، بل إلى تقديم تجربة حضارية متكاملة تمزج بين العمق التاريخي وروح الحداثة، مما يعزز مكانتها كوجهة ناشئة على خريطة السياحة العالمية.

ومن ناحية أخرى تحظى جهود أوزبكستان في السنوات الأخيرة، لتحديث اقتصادها والانفتاح على العالم باهتمام متزايد من مراكز الأبحاث والمؤسسات الدولية بوصفها نموذجًا لدولة تسعى لإعادة صياغة موقعها السياسي والاقتصادي بعد مرحلة طويلة من الانغلاق النسبي خلال الحقبة السوفيتية. 

وتشير تقارير البنك الدولي إلى أن الإصلاحات التي أطلقتها طشقند منذ 2017 ساهمت في تسريع التحول نحو اقتصاد أكثر انفتاحًا، عبر تحرير سعر الصرف، وتسهيل الاستثمار الأجنبي، وتطوير بيئة الأعمال، وهو ما وضع البلاد على مسار نمو أكثر استدامة.

وتؤكد دراسات صندوق النقد الدولي أن أوزبكستان نجحت في تحقيق معدلات نمو مستقرة نسبيًا في السنوات الأخيرة، مدفوعة بإصلاحات هيكلية في قطاعات الطاقة والزراعة والصناعة، إلى جانب جهود تنويع الاقتصاد بعيدًاعن الاعتماد التقليدي على المواد الخام. كما يلفت الصندوق إلى أن التحدي الأساسي لا يزال يتمثل في تعزيزالحوكمة، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين مناخ الشفافية الاقتصادية.

وفي السياق السياسي والإستراتيجي، ترى تقارير صادرة عن معهد كارنيغي للشرق الأوسط أن أوزبكستان باتت تتبنى سياسة خارجية أكثر توازنًا ومرونة، تقوم على تنويع الشراكات مع روسيا والصين والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، دون الدخول في محاور صلبة. هذا النهج جعلها لاعبًا إقليميًا أكثر حضورًا في آسيا الوسطى، وساهم في تعزيز صورتها كدولة تبحث عن الاستقرار، والانفتاح في آن واحد. 

ويبقى أنه في المحصلة النهائية، تقدم أوزبكستان اليوم نموذجًا لدولة تسعى إلى التوازن بين الحداثة والجذور، بين الإصلاح الاقتصادي وإحياء الهوية الثقافية. 

وتُجمع تقارير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، على أن البلاد تقف عند “نقطة تحول إستراتيجية”، حيث يمكن أن تصبح خلال العقد القادم أحد أبرز الاقتصادات الصاعدة في آسيا الوسطى، إذا ما استمرت وتيرة الإصلاحات وتعززت مؤسسات الدولة.

كلمات البحث
الأكثر قراءة