في النصف الثاني من الثمانينيات، كنتُ صبيًّا صغيرًا، يبهجني جدًّا منذ عرفتُ «نوادي الفيديو» أن أطالع الجديد فيها من أفيشات الأفلام، لأختار فيلمًا أنتقيه، أستعيره، وتمتد على إثره سهرة نهاية الأسبوع.
كان «نادي الفيديو» شيئًا مبهجًا، بما أتاحه للناس من مشاهدة أحدث الأفلام، متكئين على كراسيهم في بيوتهم أو أَسِرَّتِهم، بعد فترة قصيرة نسبيًّا من العرض السينمائي.
الآن.. في 2026، صار «نادي الفيديو» الجديد حولنا في كل مكان.. صار «محمولًا» في أيدينا.. فيديوهات.. فيديوهات.. فيديوهات…
غابة من المقاطع المصورة تحاصرنا، تحيط بنا من كل اتجاه، تنطلق أغصانها الكثيفة المتشابكة من بين جنبات أجهزة حديثة، حداثية، لا تغادر أيدينا، فتعمُّ «غصون الفيديو» الأرض وتمتد إلى السماء، تمسكُ بتلافيف أمخاخنا، تتلاعب - لتنوعها الرهيب- بمشاعرنا، وتلعب بأفكارنا.. دونما بهجة.. دونما أفلام.. مثل زمان!
في «نادي الفيديو» الجديد 2026، كل إنسان يستطيع أن يصير بطلًا، دون حاجة إلى فيلم، فهو نفسه يمكن أن يكون صاحبَ الفيلم، صانعه، مُخرجه، كاتبه، العارف بأسرار السيناريو وخباياه، ولا أبطال في فيلمه سواه، سواء ظهر بنفسه، أو قرر تصوير آخرين، برضاهم أو رغمًا عنهم، خلسةً أوعلانيةً.
كل إنسان في زمن مواقع التواصل الاجتماعي، يمكنه عبر عضوية «نادي الفيديو» الجديد، الكبير، المَهيب، أن يقدِّم الفيلم الذي يريده، فيعبِّر عن رؤيته هو، من زاوية نظره هو، للأحداث، أو الحدث الذي يمثل محور الصراع، لكنه - وهذا هو الأهم- لا يقدم هذه الرؤية - كما في الفن- باعتبارها وجهة نظر، إنما خلاصة الحكمة والقول الفصل!
قديمًا، نشرتْ الصحافة كثيرًا إبان زمن الإرهاب - لا أعاده الله- عن قضية في المحاكم عُرِفت باسم «قضية حرق نوادي الفيديو»، والآن.. صار «نادي الفيديو» الجديد يمد المحاكم بقضايا أخرى، أدلتها مقاطع مصورة منشورة؛ «فيديوهات»، لإثبات الجرائم بالصوت والصورة. وعندئذ - سأصارحك- أشعر بأن «النادي» هو ما يحرقني، يشعل لهيب أفكاري، فتترنح متمايلةً بين.. مع وضد.. وسأوضح القصد.
عندما أجد فتاةً أو سيدةً تلجأ إلى تصوير مقطع يُظهر محاولة التعدي عليها أو إهانتها أو التحرش بها، سواء بإشهار هاتفها في العلن أو استخدامه سرًّا، فإنني أتساءل فورًا مستفهمًا: لماذا قررتْ أن تفعلها؟ وأحاول في إجابتي رد الأمور إلى أصلها.
هي سجَّلتْ لحظةً زمنيةً، لا شك أنها ستتمنى في المستقبل أن تنساها أصلًا، لكنها أرادت حفظ حقها بأي صورة، أرادت عدالةً ناجزةً تنصفها، وإن يكن أمام محكمة الناس، والدنيا، أرادت إدانة الجاني واستصدار حكم ضده بالفضيحة.
نفسيًّا؛ لا أستطيع إدانة فعلها، وإن كان القانون في حالات كثيرة يمكن أن يدين، لا سيما عند نشر المقطع المصور قبل تقديمه إلى جهات التحقيق، لكنني أقف عاجزًا عن اتخاذ موقف، فكريًّا ونفسيًّا، مع أو ضد، بشكل واضح.
يصرخ النساء أو كثيرٌ منهن في وجه الكل: ماذا تفعل المرأة عندما تواجه ما تواجهه؟!.. ليس أمامها سوى هذا لإثبات حقها.. الرجال لا يعرفون ما تلاقيه النساء كل يوم.. أنتم تحاولون الحكم على الأمر نظريًّا، بعقل بارد، بينما نحن من نُنتَهكُ في كل خطوة!
وأنا أُقدِّر كل هذا. أحسُّ بوطأة هذه المشاعر. وأحاول إدراك أبعادها. لذا فإنني أسعى إلى تكوينِ موقفٍ نابعٍ من الواقع، وليس من برج عاجي. لكنني - أيضًا- أستمر في محاولة رد الأمور إلى أصلها.
الأصل، أن الصورة - كما علَّمنا الإعلام- جزءٌ من الواقع وليست كله. والعدسة - مهما نفتح «الزووم» أو نغلقه- لا تنقل إلا جانبًا من الحقيقة، سواء كبرَ أو صغر. واللقطة المصورة تعكس زاوية رؤية، تحبس لحظة زمنية، دون ما قبلها أو ما بعدها.
أقسم أنني لا أحاول التشكيك، إنما أسعى إلى التفكير، وأقول: «التصوير» وسيلةٌ مفيدةٌ بالفعل للضحايا الحقيقيين، أيًّا ما كان مدى قانونيتها، لكن.. ماذا لو أسيء استخدامها؟! ماذا لو استُغِلَّت في الابتزاز والتشهير؟!
والسؤال الكبير، هو: أتصلُحُ كوسيلةٍ للعدالة الناجزة في المجتمع ينبغي تعميمها والدعوة إليها؟ أم أنها قد تنصف أحيانًا وتظلم حينًا؟! أليس هناك من حلول أخرى - بالقانون- يمكن أن تُقيم العدل - بسرعةٍ ويُسر- على الكل؛ مَن يَنتهِك ومَن يَبتز؟!
يحرقني لهيب الأفكار.. وأعجز عن اتخاذ موقف.. أجد نفسي وحيدًا في الغابة.. بمنأى عن طريق نِسْويةٍ متطرفةٍ عالية الصوت، تزعج ولا تفيد.. وبعيدًا طبعًا عن سبيل ذكوريين جاهلين يرون المرأة مجرد وسيلة للمتعة.
أين أذهب؟!.. لا أرى معالم الطريق.. أرى فقط الغصون الكثيفة المتشابكة في «نادي الفيديو» الجديد، وقد استحال كلٌّ منها سلاحًا في يد صانع الفيلم الأوحد، يواجه به أعداءه في الغابة، والبقاء لـ«الأكثر مشاهدة»!
ماذا نفعل؟!.. لا أعرف.. ليس كل مقال ينبغي أن يطرح حلًّا.. فلنفكر جميعًا - بضميرٍ- معًا.. فليفكر كلٌّ في موقعه.. لأجل عدالة حقيقية وناجزة أيضًا.. هذا فقط ما أعرفه.
كما صرتُ أعرفُ كذلك - بشكل مؤكد- أن «نادي الفيديو» الجديد 2026 لم يعد بالنسبة لي - كما الماضي- مبهجًا، إنما صار مجهدًا، يُثقِل رأسي، يُحيِّر أفكاري، يُربِكُ خطواتي، فيضيع في الغابة طريقي.