الأسوأ من الجحيم هو القبح الذي يجسده الكيان الصهيوني ضد كل ما هو إنساني وليس عربيًا فقط، فقد تعرض نشطاء من أسطول الحرية لـ"الاغتصاب"؛ حيث روى هؤلاء عن تعرضهم لاعتداءات جنسية، بينها حالات اغتصاب، أثناء احتجاز الاحتلال لهم عقب اعتراض سفن مساعدات كانت متجهة إلى قطاع غزة.
يذكر أحد هؤلاء، وعددهم 430 شخصًا متطوعًا على متن 50 قاربًا من 44 دولة من بينها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، بعد وصولهم إلى تركيا بعد ترحيلهم، تفاصيل ما تعرضوا له فيقول: "جرى تجريدنا من ملابسنا وطرحنا أرضًا وركلنا، وتعرض الكثير منا للصعق بالكهرباء، وتعرض البعض لاعتداءات جنسية، وحرم البعض من الاتصال بمحام، ونقل عدد منهم إلى المستشفى بسبب إصابات، وأن 15 على الأقل تحدثوا عن تعرضهم لاعتداءات جنسية، بينها حالات اغتصاب".
قالت سابرينا شاريك، التي ساعدت في تنظيم عودة 37 فرنسيًا شاركوا الأسطول، لرويترز، إن خمسة نقلوا إلى المستشفى في تركيا، بعضهم يعاني من كسور في الأضلاع أو الفقرات. وأضافت أن بعضهم وجه اتهامات مفصلة بالعنف الجنسي منها الاغتصاب.
وتناول الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس في تقريره في 21 أبريل الماضي: "شمل العنف الجنسي ضد المحتجزات في الغالب تهديدات بالاغتصاب، وإجبارهم على التعري، والتحرش الجسدي، والتفتيش المهين أو المذل دون مبرر، بينما استُهدف الرجال والفتيان بالاغتصاب، ومحاولات الاغتصاب، والعنف ضد أعضائهم التناسلية، مما أسفر عن إصابة خمسة من الذكور بنزيف شرجي حاد، دون تلقي أي علاج طبي، وتضمنت الانتهاكات الاغتصاب باستخدام أدوات، والاغتصاب الجماعي، والشروع في الاغتصاب، وأن الجناة ينتمون إلى قطاعات واسعة من الجهاز الأمني الإسرائيلي: قوات الجيش الإسرائيلي، ومصلحة السجون الإسرائيلية، وقوات كتر الخاصة، ووحدة مكافحة الإرهاب التابعة للشرطة (يامام)".
وفي 21 أبريل كشفت الأمم المتحدة تقريرًا حقوقيًا يوثّق لجوء مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية المحتلة إلى أساليب "التحرش والاعتداء الجنسي والترهيب" بحق الفلسطينيين.. وفي أكثر من 75 مدينة في إيطاليا، تم تنظيم إضراب عام على مستوى البلاد للمطالبة بالمقاطعة الكاملة لإسرائيل وفصل جميع الروابط معها.
ولا شك أن تداعيات التقارير الأممية والدولية، وشهادات المتعاطفين مع فلسطين برا وبحرا، تؤسس لواقع يعجل بانهيار الكيان الصهيوني، بلوره الكاتب الإسرائيلي المعارض "جدعون ليفي"، عندما سأله إعلامي الأسبوع الماضي: هل جعلت حكومة نتنياهو إسرائيل أكثر أمانًا"، فأجاب:
"لا شك أنك تمزح، لقد جعلت الحكومة "إسرائيل" أخطر مكان لليهود، الإسرائيليون باتوا يخشون من السفر للخارج، إما خوفًا أو شعورًا بالخزي والعار"..
واستطرد: "أن كونك إسرائيليًا في الخارج اليوم، يثير النفور، بل ومحفوف بالمخاطر، وبات من الخطير جدًا أن تكون يهوديًا في إسرائيل، إنه أسوأ وأخطر مكان لليهود في عالم اليوم بلا شك"..
وأضاف خلال حواره: "معظم اليهود الذين قتلوا خلال العامين الماضيين، قتلوا في إسرائيل، ومن الواضح أن ذلك سيستمر، صافرات الإنذار تدفعنا إلى الملاجئ في منتصف الليل.. فعن أي أمان تتحدث"..
سأله المذيع: "إذا كان ذلك واضحًا فلماذا لا يزال يحظى بشعبية واسعة حسب الاستطلاعات؟"، فأجاب: "لأن من يتعرض لغسيل الدماغ لا يفكر بعقلانية، لأنهم ما زالوا مدفوعين بالرغبة في معاقبة وسحق غزة بسبب أحداث السابع عشر من أكتوبر.. وكأن أحداث السابع من أكتوبر هي الجريمة الوحيدة هنا".
وما زال الإبداع الصهيوني القبيح مستمرًا، ففي غزة، لم تكن الطائرات المسيرة مجرد أدوات للمراقبة، فطوال فترة الحرب، أفاد أطباء وسكان ومنظمات حقوقية، باستخدامها فوق الشوارع والمنازل والمستشفيات، حيث تم نشرها لمراقبة الحركة، وإصدار الأوامر، وترهيب المدنيين، وفي بعض الحالات، إطلاق النار.
أصبح استخدامها مع مكبرات الصوت جزءًا من شكل أوسع من الحرب النفسية، تضليل المدنيين، وطمس الخط الفاصل بين الأصوات الحقيقية والمسجلة، وتقويض إحدى أبسط الغرائز الإنسانية - غريزة الاستجابة لنداء الاستغاثة.
قال أحد المسعفين، إن هذه ليست حادثة معزولة، بل هي جزء من نمط بات مألوفًا بشكل متزايد لسكان القرى الجنوبية، حيث تحلق فيها هذه الطائرات المسيرة فوقنا وتبث أصواتًا مختلفة.
بالأمس، كان صوت أطفال يصرخون ويستغيثون وقبل ذلك، بثوا صوت سيارة إسعاف، ومرة أخرى، كان صوت القرآن، وأخرى، كان صوت امرأة تستغيث، إننا نعيش هذا الوضع يوميًا تقريبًا.
والطائرات المسيرة أصبحت مكونًا يوميًا في السماء، فهي تراقب، وتصدر تحذيرات، وتبث رسائل وأصواتًا، محولةً الليل إلى ساحة معركة نفسية، بالإضافة إلى الترهيب، تستخدم أصوات الاستغاثة لاستدراج الناس للخروج من منازلهم أو ملاجئهم، سواء بدافع الخوف أو الفضول أو غريزة المساعدة.
قال المسعف الذي يخشى ذكر اسمه خوفًا من الاحتلال، إن رد الفعل الأول عند سماع مثل هذه الأصوات يكاد يكون تلقائيًا، فعندما تسمع هذه الأصوات في سكون الليل، فإن غريزتك الأولى هي الخروج لمعرفة ما يحدث..المغادرة أو الاستنزاف النفسي، هذه التكتيكات هي أحد إبداعات القبح الجديدة.. ولكن "أليس الصبح بقريب"؟!
[email protected]