تواجه الأسواق والمحلات التجارية في مختلف المحافظات حالة غير مسبوقة من الركود والترقب، جراء التأخر الملحوظ في ظهور محصول المانجو الذي ينتظره ملايين المواطنين من العام للعام كأحد أهم طقوس فصل الصيف.
موضوعات مقترحة
ورافق هذا الغياب الغامض سيل من التساؤلات والشكاوى بين المستهلكين والتجار على حد سواء، وسط تقارير ميدانية متواترة تؤكد تراجع إنتاجية المزارع بشكل لافت للنظر، وهو ما أثار مخاوف اقتصادية حقيقية من قفزات جنونية في الأسعار قد تحرم شرائح واسعة من المواطنين من تذوق فاكهتهم المفضلة، وتضعف من القوة الشرائية الإجمالية في أسواق التجزئة التي تعتمد على هذا الموسم الاستراتيجي لإنعاش حركتها التجارية.
أشجار المانجو أكثر المحاصيل البستانية حساسية تجاه أي تذبذب في درجات الحرارة
وقال الدكتور أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي، إن أزمة تأخر المحصول هذا العام ليست ناتجة عن تقاعس من المزارعين أو نقص في الأسمدة، بل تأتي كترجمة عملية ومباشرة لآثار التغيرات المناخية العنيفة التي باتت تضرب القطاع الزراعي العالمي والمحلي بشكل متزايد. وأضاف أن أشجار المانجو تعد من أكثر المحاصيل البستانية حساسية تجاه أي تذبذب في درجات الحرارة، مشيراً إلى أن ما شهدته البلاد من قفزات حرارية فجائية تلتها موجات برودة ليلاً، أحدث صدمة بيولوجية للأشجار أدت مباشرة إلى تفاقم ظاهرة "سقوط الزهرة" وموت الأجنة الثمرية قبل اكتمال عملية العقد، وهي خسارة بيولوجية فادحة يصعب تعويضها خلال الدورة الزراعية الحالية.
وأكد أستاذ الاقتصاد الزراعي أن تساقط الأزهار بغزارة في المحافظات التاريخية الشهيرة بهذه الزراعة، وعلى رأسها الإسماعيلية والشرقية وبعض مناطق الصعيد، تسبب في خفض معدلات الإنتاجية للفدان الواحد إلى مستويات مقلقة مقارنة بالسنوات الماضية. وأشار في الوقت ذاته إلى أن هذا التراجع الحاد في كمية الثمار الناجية على الأشجار أدى بشكل تلقائي إلى تأخر نضج البشاير الأولى، مما جعل المعروض الحالي في الأسواق المركزية مثل سوق العبور و6 أكتوبر ضئيلاً للغاية ولا يلبي حجم الطلب المتزايد، وهو ما يفسر الارتفاع القياسي في أسعار الكيلو الواحد خلال الإطلالة الأولى للمحصول هذا الصيف.
المانجو
ولفت الدكتور أشرف كمال إلى أن الأبعاد الاقتصادية المترتبة على ظاهرة سقوط الزهرة وتراجع المحصول لن تتوقف عند حدود المستهلك المحلي فحسب، بل ستلقي بظلالها الوخيمة على منظومة الصادرات الزراعية المصرية التي حققت طفرات رقيمة في الآونة الأخيرة. وحدد الخبير الزراعي حجم الضرر في شقين؛ الأول يتعلق بتراجع الحصص التصديرية المستهدفة للأسواق العربية والأوروبية بسبب نقص المنتج المطابق للمواصفات، والشق الثاني يتمثل في الانخفاض الحاد في صافي دخل الفلاحين والمستثمرين الزراعيين الذين يمثل هذا المحصول عصب حياتهم المالية السنوية، مما يهدد بتراكم الديون على كاهل صغار المزارعين.
وحذر من خطورة الاستمرار في التعامل مع ملف الزراعة بالآليات التقليدية القديمة في ظل اعتراف العالم أجمع بدخول منطقة الشرق الأوسط في حزام التأثيرات المباشرة للاحتباس الحراري.
واستطرد الدكتور أشرف كمال موضحاً أن الحل لم يعد رفاهية، بل يتطلب تحركاً فورياً من المعاهد البحثية لاستنباط وإدخال سلالات وأصناف جديدة من المانجو تكون أكثر مرونة وقدرة على تحمل "الإجهاد الحراري"، بجانب إعادة النظر في خريطة التوزيع الجغرافي للمحاصيل، والبدء في التوسع بزراعة الأصناف الأكثر صموداً في وجه التقلبات الجوية الحادة لحماية الأمن الغذائي القومي من الهزات المفاجئة.
المانجو
واستكمل حديثه بضرورة صياغة استراتيجية إرشادية مكثفة تبدأ قبل موسم التزهير بوقت كافٍ، لتدريب المزارعين على كيفية استخدام المركبات الحديثة ومثبتات الأزهار ومضادات الصدمات الحرارية في الأوقات الحرجة. وأنهى أستاذ الاقتصاد الزراعي رؤيته التحليلية بالتأكيد على أن قطاع الزراعة المصري يمتلك مقومات الصمود، ولكن الاستدامة تفرض تفعيل منظومة "التأمين الزراعي" لمساندة الفلاح في مواجهة الكوارث الطبيعية، معتبراً أن أزمة سقوط زهرة المانجو هذا العام هي بمثابة جرس إنذار شديد اللهجة يستوجب تضافر كافة الجهود البحثية والتنفيذية لإنقاذ المواسم المقبلة وتأمين استقرار الأسعار في الأسواق.
موضوعات قد تهمك