مراكز الفكر والدولة القوية

9-6-2026 | 09:43

هناك سؤال ظل يلح عليّ كلما تأملت تجارب الأمم في لحظات صعودها أو انكسارها، وهو كيف تفكر الدول؟ نعم، ليس كيف تحارب، أو كيف تفاوض، أو كيف تبني السدود والمصانع والطرق، وإنما كيف تفكر؟

فالدولة، في نهاية المطاف، ليست مجرد مؤسسات تتحرك، ولا أجهزة تصدر قرارات، ولا موازنات تُعتمد أو قوانين تُسن. الدولة قبل ذلك وبعده فكرة. والفكرة تحتاج إلى عقل يحرسها، ويطورها، ويعيد اكتشافها كلما تغير الزمن.

ولعل واحدة من أكبر الحقائق التي كشفتها تحولات العقود الأخيرة أن الفارق بين الدول لم يعد يُقاس فقط بما تملكه من موارد تحت الأرض، وإنما بما تملكه من عقول فوق الأرض. لقد كانت هناك مرحلة في التاريخ كان النفط فيها يصنع النفوذ، وكانت الجغرافيا تصنع المكانة، وكانت القوة العسكرية ترسم الحدود. أما الآن فإن المعرفة أصبحت هي الثروة الأكثر قيمة، وأصبحت القدرة على إنتاج الأفكار لا تقل أهمية عن القدرة على إنتاج السلاح.
ومن هنا جاءت أهمية مراكز الفكر. غير أن الحديث عن مراكز الفكر في مصر كثيرًا ما يبدأ من المكان الخطأ. فنحن، غالبًا ما نتحدث عن المباني، والميزانيات، والندوات، والمؤتمرات، بينما القضية الحقيقية ليست في ذلك، وإنما في الوظيفة.

فمركز الفكر ليس مكتبة كبيرة، ولا قاعة محاضرات أنيقة، ولا مجموعة من الباحثين يجلسون خلف مكاتبهم يكتبون الدراسات، وإنما مركز الفكر في جوهره هو محاولة منظمة للإجابة عن سؤال المستقبل. وهو المكان الذي تذهب إليه الدولة لكي ترى ما لا تراه الأجهزة المنشغلة بأعباء الحاضر وبإطفاء الحرائق اليومية التي تشتعل هنا أو هناك.

ولذلك فإن الدول الكبرى والقوية عادة ما تنظر إلى مراكز الفكر باعتبارها جزءًا من منظومة القوة الوطنية. ففي واشنطن، وفي بكين، وفي طوكيو، وفي موسكو، وفي بروكسل، وفي برلين، وفي روما، وفي مدريد، وفي لندن، وفي عواصم أخرى كثيرة، لا تُولد الأفكار الكبرى في الفراغ. حيث توجد مؤسسات كاملة مهمتها أن تراقب العالم وهو يتغير، وأن تطرح الأسئلة قبل أن تتحول إلى أزمات، وأن تضع البدائل قبل أن تضيق الخيارات. وبقدر ما كانت هذه الدول تستثمر في مصانعها وجيوشها، كانت تستثمر أيضًا في عقولها.

أما عندنا في مصر، فالمشكلة ليست أن الخبراء غير موجودين، وإنما تكمن المشكلة في أن العلاقة بين ذوي الخبرة وأصحاب القرار ظلت، في كثير من الأحيان، علاقة مرتبكة. فنحن لدينا باحثون وخبراء راكموا خبرات تمتد لعقود في السياسة الدولية، والأمن القومي، والاقتصاد، وقضايا المياه والطاقة والغذاء والتنمية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل تحولت هذه الخبرات المعتبرة إلى قوة حقيقية في عملية صنع القرار؟ وهل أصبح الخبير جزءًا من دورة إنتاج السياسة، أم ظل في كثير من الأحيان مجرد شاهدٍ عليها؟

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة ما ليس نقص المعلومات. فنحن نعيش عصرًا تتدفق فيه المعلومات من كل اتجاه. وإنما الخطر الحقيقي يتمثل في نقص القدرة على تحويل المعلومات إلى معرفة، والمعرفة إلى رؤية، والرؤية إلى سياسة. وهنا تحديدًا يبدأ دور مراكز الفكر. فهذه المراكز ليست معنية فقط بشرح ما حدث بالأمس، وإنما بما قد يحدث غدًا. وإذا كانت أجهزة الدولة تدير الحاضر، فإن مراكز الفكر مطالبة بإدارة المستقبل. ومن هنا فإن وظيفة هذه المراكز لا تقتصر على إعداد الدراسات، وإنما تمتد إلى بناء السيناريوهات، ورصد المخاطر، واستشراف التحولات، وتقديم البدائل.

ومما يزيد من أهمية مراكز الفكر في الدولة القوية هو أن الأمن القومي أصبح نفسه مفهومًا أكثر اتساعًا وتعقيدًا مما كان عليه في الماضي. فلم تعد المسألة مسألة حدود فقط، وإنما أصبحت قضية مياه، وغذاء، وطاقة، وفضاء سيبراني، وذكاء اصطناعي، وصراعات معلوماتية، وتحولات ديموجرافية، وتغيرات مناخية، وغيرها.

وفي مثل هذا العالم، فإن الدولة التي تنتظر الأزمة حتى تقع تكون قد خسرت نصف المعركة قبل أن تبدأ. ولهذا أصبحت مراكز الفكر في الدول القوية جزءًا من منظومة الإنذار المبكر، فهي "العيون التي ترى ما وراء الأفق".

لكن هناك وظيفة أخرى لمراكز الفكر لا تقل أهمية. فمراكز الفكر لا تصنع الأفكار فقط، وإنما تصنع الرجال والنساء الذين يحملون هذه الأفكار. وكثير من كبار المسئولين في العالم بدأوا باحثين في مراكز الدراسات. ذلك لأن إنتاج النخب لا يقل أهمية عن إنتاج الأفكار. والدولة التي لا تجدد نخبتها الفكرية، مثلها مثل الأرض التي تتوقف عن إنبات الزرع. وفي الحالة المصرية، تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة. فنحن نعيش لحظة تاريخية تتداخل فيها تحديات التنمية مع تحديات الأمن، وتتقاطع فيها متطلبات الجمهورية الجديدة مع تحولات عالمية غير مسبوقة. وهذا يفرض علينا أن ننظر إلى مراكز الفكر باعتبارها ضرورة وطنية، لا نشاطًا أكاديميًا هامشيًا.

وفي تقديري أن الدولة القوية ليست هي الدولة التي تمتلك الإجابات كلها. ولكن الدولة القوية هي التي تمتلك المؤسسات القادرة على طرح الأسئلة الصحيحة. وهذه هي المهمة الأساسية لمراكز الفكر. أن تظل تسأل. وأن تظل تراجع. وأن تظل تستشرف.وأن تظل تذكرنا دائمًا بأن الأمم لا تتقدم بما تملكه من موارد مالية أو عسكرية فقط، وإنما بما تملكه من قدرة على الفهم.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: