في الحلقة الثالثة من المقال أتحدث عن صورة اليابان عند الزعيم الوطني مصطفى كامل ودوره في تشكيل الوعي المصري، ويتوالى الإعجاب من الجانب المصري بالتجربة اليابانية، فقد أصدر الزعيم الوطني مصطفى كامل كتاب "الشمس المشرقة" عن اليابان. الزعيم الوطني مصطفى كامل (1874–1908)، ويُعد من أوائل المفكرين المصريين الذين التفتوا مبكرًا إلى تجربة اليابان الحديثة واتخذوها نموذجًا يُحتذى في النهوض الوطني، ويُعد كتابه «الشمس المشرقة» من أبرز الشواهد على ذلك، ودراسة فكرية سياسية عن نهضة اليابان بعد إصلاحات ميجي (1868)، قدّم فيه اليابان بوصفها مثالًا حيًا لأمة شرقية استطاعت أن:
• تتقدم علميًا وعسكريًا،
• تحافظ على هويتها وقيمها،
• وتواجه الهيمنة الغربية بنجاح.
والسؤال هنا: لماذا اهتم الزعيم مصطفى كامل باليابان؟ رأى الزعيم مصطفى كامل في اليابان برهانًا عمليًا على أن التقدم ليس حكرًا على الغرب، وأن:
• التعليم الحديث أساس النهضة.
• الوطنية والولاء للدولة عنصران حاسمان.
• الأخذ بأسباب العلم لا يتعارض مع التقاليد.
كما جاء إعجابه متزامنًا مع انتصار اليابان على روسيا 1905م، وهو حدث هزّ العالم وألهم حركات التحرر في الشرق، فاستثمره الزعيم مصطفى كامل لتعزيز الروح الوطنية في مصر في مواجهة الاحتلال البريطاني في عهد الخديو عباس حلمي الثاني (1892-1914).
مضمون الكتاب وأفكاره الأساسية كالتالي:
دور الدولة في قيادة الإصلاح.
التعليم والانضباط كأساس للتقدم.
الوحدة الوطنية فوق الخلافات.
الاستقلال السياسي بوصفه غاية نهائية.
إمكان نهضة الشرق دون الذوبان في الغرب.
أهمية الكتاب في الفكر المصري هي كالتالي:
• يُعد من أوائل النصوص العربية التي تناولت اليابان الحديثة بعمق.
• أسهم في ترسيخ فكرة النهضة الممكنة في الوعي الوطني المصري.
• كشف عن البعد العالمي في فكر مصطفى كامل، وأن نضاله لم يكن محليًا فقط بل حضاريًا.
لذلك يُعد كتاب "الشمس المشرقة" لمصطفى كامل من النصوص الفكرية المبكرة التي تناولت تجربة النهضة اليابانية الحديثة بوصفها نموذجًا حضاريًا قابلًا للاقتداء في سياق العالم الشرقي. وينطلق المؤلف من نقد التصورات السائدة حول التفوق الغربي، مؤكدًا أن تقدم الأمم لا يرتبط بعوامل عرقية أو دينية، بل بإرادة سياسية واعية، وبناء مؤسسي منظم، واستثمار منهجي في الإنسان عبر التعليم. يعرض مصطفى كامل الخلفية التاريخية لليابان قبل إصلاحات مييجي، مبرزًا مظاهر التخلف السياسي والعسكري والاجتماعي، ثم يتتبع مسار التحول الذي قادته الدولة المركزية من خلال إلغاء النظام الإقطاعي، وتحديث الإدارة، وبناء جيش وطني حديث، وربط التحديث المادي بمنظومة أخلاقية تقوم على الانضباط والولاء للوطن. ويحتل التعليم في هذا السياق موقعًا محوريًا، إذ يقدّمه المؤلف بوصفه الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي مستدام.
كما يولي الكتاب أهمية خاصة لانتصار اليابان على روسيا عام 1905، باعتباره حدثًا ذا دلالة رمزية وسياسية كبرى، أسهم في زعزعة مركزية الغرب وأعاد الثقة إلى شعوب الشرق بإمكان تحقيق الاستقلال والتقدم. وفي ضوء ذلك، يخلص مصطفى كامل إلى أن النهضة المنشودة لا تتحقق عبر التقليد الأعمى للنموذج الغربي، بل من خلال اقتباس واعٍ للعلوم والتقنيات الحديثة، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية والهوية الوطنية. ويمثل كتاب «الشمس المشرقة» بذلك إسهامًا مهمًا في الفكر النهضوي المصري والعربي، إذ يجمع بين التحليل التاريخي والرؤية الإصلاحية والخطاب الوطني التعبوي، ويعكس وعيًا مبكرًا بترابط الإصلاح الداخلي بالتحرر من الهيمنة الأجنبية.