ساحة السيدة نفيسة ومحطة القطارات المنسية

8-6-2026 | 11:49

في كتاب الشاعر والكاتب العماني سيف الرحبي "القاهرة أو زمن البدايات" (سلسلة حكاية مصرـ الهيئة العامة لقصور الثقافة 2019) يحكي أنه في بداية السبعينيات حين نزل القاهرة ليلاً وذهب ليسكن في حي الدقي المتاخم لحي بولاق الدكرور سمع صفيرًا يشبه النحيب، حسبه في أول الأمر صفير بواخر راسية في عرض البحر. والقاهرة بعيدة عن أي بحر بمائتي كيلومتر على الأقل. إلا بحر النيل، كما درجنا على التسمية ونحن أطفال.

ولما انجلى ليل القاهرة عن بدايات الصباح، ذهب إلى مصدر صوت الصفير؛ ليشاهد تلك القوافل الحديدية العابرة السكك والقضبان. وحين عرف أن هذا المارد الخرافي أسمه (قطار) ذهب ليفتش عن أصل كلمة (قطار)، فوجد أن العرب كانت تسمي الناقة الطليعية في القافلة (القاطرة). ولاحقًا ينفجر مشهد القطارات على مصراعيه واقعًا وكتابة، لكنه لم ينس قطار الصعيد الذي سمعه في ليلته الأولى في مصر. 

حنيننا للقطار لا يقل عنك يا سيف، استبد بنا.. نهتز حتى لرؤية قطار أو في مرورنا على مزلقان فوق قضبان القطار، أو داخل مشهد في فيلم سينمائي قديم، وهو يغادر أو يتهادى إلى محطة الوصول. فالقطار أطول عمرًا من كل المصريين المعاصرين، فقد اخترق بر مصر قديمًا جدًا، وتحديدًا في العام 1854، ليصبح ثاني قطارات العالم بعد بريطانيا العظمى.

وقبل زمن ليس بالقليل، حيرني خط قطار يمضي بمحاذاة الأوتوستراد، قادمًا من حلوان أو ذاهبًا إليها.. قطار لم أره أبدًا، ولكنني ألاحظ قضبانه، ومحطته المنسية.. ولقد مررت أخيرًا فوق قضبان قديمة في حي الأباجية، بعد أن سرت بمحاذاة خط القطار، الذي تفصح عنه محطة خشبية قديمة مهجورة. وسألت، إنه خط قادم أو ذاهب إلى حلوان، كما توقعت، وكان يُستخدم لأغراض صناعية، نقل حديد أو ما شابه. وهذه إحدى المحطات.

تخضع كل تلك المنطقة حاليًا للتطوير، وهو ما يثير جدلاً وخلافات بصدد أفكار الخطط المطروحة ومشاريعها -من نقل للمقابر، ومد للطرق، وإقامة للجسور العملاقة- وهو أمر صحي ومشروع. ولأن محطة القطار ليست في طريق أحد، فإن الحفاظ عليها وتجديدها لن يضر أحدًا؛ بل يمكن تحويلها إلى متحف مفتوح، أو معلم ونصب تذكاري يُطلى بألوانه القديمة ويُضاء ليلاً. أهل المنطقة يعرفونها طبعًا، لكن الزائر سيقف أمامها ليتأمل المكان، ويطالع القلعة بكامل بهائها ليلاً أو نهارًا.

مستخدمًا شارع الأباجية دلفت إلى منطقة السيدة عائشة، لأن كوبري السيدة عائشة تم إزالته، وكان ليس فقط عائقًا، إنما مربكًا، ومغالطًا لكل قواعد هندسة الكباري. كثير الإغلاق، كثير الحوادث المميتة.. وبإزالته اختفى الزحام الشديد الذي كانت تتميز به المنطقة عمومًا، كمرتع للباعة الجائلين، وللميكروباص، والتوك توك. لكن ميدان السيدة عائشة في حاجة إلى تنسيق حضاري، ولمسة جمالية، بخلاف الصدمة البصرية الحالية. 

ولنؤجل الصدمة البصرية؛ لأن الطريق قادني إلى المنظر الخلفي لمسجد السيدة نفيسة، وهو بحاجة إلى ترميم وطلاء جديد، أو إعادة تحديد الهدف من التعرية التي حصلت له بإزالة كل المباني والمقابر خلف المسجد. 

أما المشهد الأمامي للمسجد العريق، فهو بحاجة إلى إعادة نظر شاملة ليكون الرونق شاهرًا جدارته وبهاءه المنتظر. وأن تكون الساحة أمام المسجد بخلاف ما يرى الجميع الآن، من إهمال، ومتسولين ومتسولات، ورجال وصبية إيقاف السيارات، الذين يضغطون بشكل بشع، على زائري المسجد، او المترددين للصلاة، أو المودعين لموتاهم، ممن يحبون السيدة نفيسة، وأوصوا بالصلاة على جثامينهم هناك.

هؤلاء الموصون رحمهم الله، أذهلتني أعدادهم، وفي مرة أخيرة، قبل عيد الأضحى المبارك، كانت صلاة الجنازة على حماتي السيدة حكمهان عبده جلال، عقب صلاة الظهر، وفي صلاة جنازة واحدة، صلينا وكبرنا ودعونا لـ 25 جثمانًا لرجال ونساء، بالرحمة والمغفرة. وقبل أيام، وفي صلاة العصر، كانت عشرة جثامين على الأقل.

لست غريبًا على السيدة نفيسة، أنا أيضًا من محبيها، وكتبت عنها، وبالتحديد في بداية التسعينيات، تحقيقًا شاملاً عن "محاسيب السيدة نفيسة"، وقابلتهم هناك، وزير الداخلية محمد عبدالحليم موسى، رئيس جامعة القاهرة مأمون سلامة، وزير الإسكان حسب الله الكفراوي، النائب العام جمال شومان، عالم الاجتماع محمد محمود الجوهري، وغيرهم كثيرون.

وحضرت الليلة الكبيرة لمولدها مرات، وأتذكر الآن عم أحمد عقاب، رحمه الله، الرجل الذي كان يقيم سرادقًا بجوار مسجدها ويقدم الإطعام للجميع، ويخدم وأهل بيته القادمين لخيمتهم.

مسجد السيدة نفيسة بعد تطويره أخيرًا، وعلى ضيق مساحته، يتسم بالروعة، أما الساحة الخارجية فهي صادمة، وأظن أنها لن ُتترك هكذا.. 

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة