حصاد عام من "الدبلوماسية البراجماتية"

7-6-2026 | 14:31

بمناسبة مرور عام على توليه الحكم في كوريا، تلقى الرئيس لي جيه-ميونج أغلى هدية من شعبه، عبارة عن فوز ساحق لحزبه الديمقراطي الحاكم في انتخابات محلية وبرلمانية تكميلية، على الرغم من خسارة منصب عمدة العاصمة، سول.

فقد صادف يوم الخميس الماضي (4 يونيو) مرور عام على اعتلاء الرئيس لي جيه-ميونج سدة الحكم في كوريا الجنوبية، بعد إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، عقب الإطاحة بالرئيس السابق؛ بسبب محاولته الفاشلة لفرض الأحكام العرفية.

في يوم سابق (الأربعاء 3 يونيو)، فاز الحزب الديمقراطي الحاكم بـ 12 مقعدًا من أصل 16 مقعدًا رئيسيًا لعمد المدن وحكام الأقاليم الكورية، بينما حصد حزب سلطة الشعب المعارض الرئيسي على أربعة مقاعد فقط، وحصد الحزب الحاكم 9 مقاعد في الانتخابات البرلمانية التكميلية (من أصل 14 مقعدًا)، فيما جرى اعتباره -على نطاق واسع- كأول اختبار شعبي لإدارة الرئيس لي جيه-ميونج في جمهورية كوريا.

يظهر الفوز الواضح للحزب الديمقراطي الكوري الحاكم -وفقًا لتحليلات المراقبين للشأن الكوري- تحولاً جذريًا في توجهات الناخبين، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل 4 سنوات، بما يعزز تفويض الإدارة الكورية للمضي قدمًا في إجراءاتها الإصلاحية.

في تصريح أدلى به عقب إعلان نتائج الانتخابات، أكد الرئيس لي أنه يتقبل -بتواضع- النتيجة، متعهدًا بالتعاون مع الحكومات المحلية المنتخبة، بغض النظر عن الانتماء السياسي، ومشيراً إلى أن حكومته ستبذل المزيد من الجهود -ابتداءً من العام الثاني لولايته- لتحقيق تغييرات جوهرية أكبر في حياة الشعب الكوري، لتشمل الشركات الصغيرة والمتوسطة، وأصحاب المشروعات متناهية الصغر، والفئات الأكثر احتياجًا، وتعميم ثمار تحسن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية مثل الصادرات.

لفتح أبواب عهد جديد تكون فيه كوريا قوة اقتصادية عالمية، ذات فجوة فائقة، دعا الرئيس لي جيه-ميونج إلى تسريع ثورة الذكاء الاصطناعي والتحول في مجال الطاقة، فضلاً عن تسريع وتيرة الصناعات المتقدمة مثل الروبوتات والدفاع، إلى جانب أشباه الموصلات، والمضي قدمًا في تحقيق التنمية المتوازنة، ووضع بدائل فعالة للحد من الاستقطاب الاقتصادي والاجتماعي، من أجل تحقيق النمو للجميع.

في الوقت نفسه، ولتعزيز مكانة بلاده كقوة عالمية في مجالي الدبلوماسية والأمن عبر الاستفادة الفعالة من القدرات والإمكانات الكامنة، انتهج الرئيس لي جيه-ميونج "دبلوماسية براجماتية" تتمحور حول المصلحة الوطنية، وطبق هذا النهج عمليًا من خلال إعطاء الأولوية للتحالف مع الولايات المتحدة، باعتباره حجر الزاوية في دبلوماسيته، مما بدد المخاوف من أنه قد يقلل من أهمية العلاقات مع واشنطن، ويميل أكثر نحو الصين، على غرار ما اتبعه بعض أسلافه الليبراليين.

"دبلوماسية لي البراجماتية" تجاه التوجهات السياسية الأمريكية، كان قد كشف عنها في جلسة بمركز أبحاث خلال زيارته الأولى لواشنطن (أغسطس 2025)، بقوله نصًا: "لم يعد بإمكان كوريا الجنوبية الاستمرار في الاعتماد على الولايات المتحدة في الأمن، وعلى الصين في الاقتصاد، كما كان الحال في الماضي".

استثمارًا لبناء علاقات مستقرة بين الزعيم الكوري الجنوبي والرئيس دونالد ترامب، حصلت سول على تخفيض في الرسوم الجمركية الأمريكية من 25% إلى 15%، مقابل تعهدات كورية باستثمار 350 مليار دولار في الولايات المتحدة.

كذلك، حصلت كوريا الجنوبية على دعم أمريكي لمشروع بناء غواصات تعمل بالطاقة النووية، بالإضافة لتخصيب اليورانيوم، وإعادة معالجة الوقود النووي للأغراض السلمية، بما يمثل نقطة تحول مهمة في جهودها لتعزيز الأمن القومي، واستمرار تفاوض الجانبين لنقل السيطرة لسول على العمليات في زمن الحرب.

أما "دبلوماسية لي البراجماتية" تجاه الصين، فقد شهدت تحسناً كبيراً في العلاقات الثنائية بين البلدين، باعتبار بكين أكبر شريك تجاري لسول، فضلاً عن نفوذها القوي على بيونج يانج، وذلك على عكس الفتور في حقبة الرئيس السابق يون.

عقب أول محادثات بين الرئيس لي جيه-ميونج والرئيس الصيني، شي جين بينج، صرح مستشار الأمن القومي الكوري الجنوبي، وي سونج-لاك، بأن القمة مثلت استعادة كاملة للعلاقات بين سول وبكين، واتفق الجانبان على تعزيز الثقة المتبادلة، وسيجري تفعيل الاتصالات رفيعة المستوى لتعزيز الحوار الإستراتيجي.

في الوقت نفسه، علقت الصين العقوبات المفروضة على الشركات التابعة لشركة هانهوا أوشن الكورية الجنوبية لمدة عام، وأزالت -لاحقًا- أحد هياكلها الفولاذية الثلاثة المثيرة للجدل من المنطقة البحرية المتداخلة في البحر الأصفر.

بالنسبة لـ "دبلوماسية لي البراجماتية" مع اليابان، فقد بدد الرئيس الكوري الجنوبي الشكوك التي أثيرت في بعض الأوساط تجاه طوكيو عندما كان مشرعًا.

فور توليه السلطة، سعى الرئيس لي جيه-ميونج للحفاظ على الزخم الإيجابي في العلاقات مع اليابان، ودعا إلى اتباع نهج ذي مسارين بين سول وطوكيو، من خلال معالجة النزاعات التاريخية والإقليمية طويلة الأمد بشكل منفصل عن العلاقات الثنائية الأوسع، التي رأى ضرورة تعميقها في ظل البيئة الجيوسياسية المتقلبة.

في خطوة غير مسبوقة إذ اعتاد معظم أسلافه زيارة واشنطن أولاً، اختار لي جيه-ميونج اليابان كأول وجهة له كرئيس. وفي أقل من عام، عقد 6 قمم مع الزعيمين اليابانيين، إيشيبا وتاكايتشي، بما يظهر التزامه بالدبلوماسية المكوكية بين البلدين.

نصل إلى أهم محطة في "دبلوماسية لي البراجماتية" تجاه كوريا الشمالية، حيث لا تزال العلاقات المتعثرة بين الجارتين تشكل تحديًا كبيرًا للرئيس لي جيه-ميونج.

فيما تبذل سول جهودًا خارقة للتقارب مع جارتها الشمالية في عهد الرئيس لي، لا تزال بيونج يانج متشددة في موقفها، ومعتبرة علاقتها مع الجنوب هي علاقة بين دولتين متعاديتين، وعدلت دستورها لإزالة كل إشارات إعادة التوحيد مع الجنوب.

في أحدث مساعي الدبلوماسية البراجماتية للدخول في حوار -عبر وساطة خارجية سنغافورية- مع الشطر الكوري الشمالي، قال وزير الخارجية الكوري الجنوبي، جو هيون: "في هذه المرحلة، لا إشارات واضحة على عودة كوريا الشمالية إلى الحوار، لكن سول أوضحت -بشكل كامل- استعدادها للدخول في حوار، والتعبير عن ذلك رسميًا، وأعتقد أن كوريا الشمالية ستستجيب في نهاية المطاف للجهود المبذولة لتخفيف التوتر، وإرساء السلام في شبه الجزيرة الكورية، ولو تدريجيًا".

[email protected]

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: