لا تُتعِبوا أنفسكم في البحث عن صاحب الاسم على "جوجل " أو حتى على "شات جي بي تي"؛ فهو رجل مصري بسيط، بسومٍ متواضع، راضٍ بما قسمه الله له، يسعى على رزقه، موظف بسيط جدًا. محمد أبوحامد كان يملك عزة نفسٍ نادرة الوجود، لا يقبل أي أموال على سبيل العيدية أو مقابل أن يقوم لك بخدمة شخصية.
رجل يتميز بالهدوء النفسي والراحة النفسية لمن يتعامل معه؛ أي مشكلة أمامه لها حل بابتسامة جميلة تُدخل الرضا إلى قلبك. محمد أبوحامد، أو محمد طه جاب الله البدوي -كما هو مسجل في دفاتر الدولة المصرية- كان مريضًا بالكبد ويتعاطى الدواء في هدوء بالغ. فجأةً فاجأه القيء الدموي، فأسرع أهله بحمله من مدينة ناهيا في الجيزة إلى مستشفى في الدقي، وقرر الأطباء إجراء عملية كيّ لدوالي المريء.
لم يتحمل جسمه المرض، فمات محمد أبوحامد بعد ساعات قليلة. وقع الخبر على الجميع كالصاعقة: كيف؟ ولماذا؟ هل كان مريضًا؟ لا أحد يعرف!! هل كان يشكو؟ لا أحد يعرف!! هل كان يئن أثناء عمله؟ لا أحد سمعه!! فمن يهاجمه صداع يملأ الدنيا ضجيجًا!! وهذا الرجل البسيط الذي لم يشكُ لمرة، فقد كان بالأمس بيننا يسعى ويضحك ويلبي طلباتنا بحب وسرعة كبيرة، وكأنه يحاول الانتهاء من آخر عمله في الدنيا وهو مبتسم.
الخبر كان كالصاعقة، وسط تساؤلات الجميع داخل رؤوسهم. انطلقت كتائب من الذين ارتبطوا بمحمد أبوحامد إلى المستشفى من جريدة وبوابة الأهرام إبدو والأهرام أوتو غير مصدقين، وكل واحد يتذكر مواقفه معه دون أن يبوح بها.
البكاء والأنين كان حال الجميع، وكأنهم يبكون ويئنون بدلاً عن محمد أبوحامد في مرضه! خرج الجثمان إلى المسجد، وهنا تتجلى قدرة الله وأصالة المصريين والريفيين. الحضور كان بالمئات داخل المسجد وخارجه لتوديعه. الجميع كان في ذهول، يضربون كفًا بكف.
انتهت صلاة الجنازة، وبدأت زفة العريس إلى مثواه الأخير. نعم، ما حدث يشبه زفة العريس: سيارات ودراجات بخارية إلى المقابر في كرداسة، وهناك -وفي أقل من نصف ساعة- انتهت عملية الدفن بسرعة مثل حياته التي عاشها وانتهت بسرعة، ليبدأ حياته في الآخرة ليرتاح، وسط حسرة الألم والحزن، ليس على محمد أبوحامد، ولكن على الدنيا التي نعيشها.
رحيل هذا الرجل يؤكد أن الإنسان سيرةٌ وتعاملٌ وحسن خاتمة، وما نقوم به من شكوى وصراخ وصراع وآلام ليس لها مكان إلا الهواء، والتراب هو المصير الذي تُدفن فيه الحياة بلا رجعة.
الذهول والدموع هما حال كل المودعين. وفي مساء اليوم التالي كنت في مكتبي، انتظرت دخول محمد أبوحامد كعادته يوميًا ليطمئن على أحوالي، وهل لي أي طلبات... انتظرتُه، فلم يحضر. ساعتها فقط تأكدت أنه لن يأتي أبدًا، مات محمد أبوحامد، مثله كمثل الناس الطيبين الذين تركوا أثرًا في نفوس مئات ممن تعاملوا معه، أكثر من عشرات البشر المتعلمين الذين يملأون الدنيا صياحًا من حولنا بلا فائدة أو رضا.
هؤلاء لن يأخذوا نصيب محمد أبوحامد في قلوب الناس، فهم يحاولون صنع الحب والنجومية بالأموال أو الحفلات والصخب، أما أبوحامد فلم يُنفق مليمًا في الحصول على حب ودموع من حوله في وداعه.
الابتسامة والرضا هما الطريق الصحيح في الدنيا.