رغم عدم وجود أدلة قاطعة أو وقائع دامغة حول زواج المال والسلطة في البيت الأبيض، إلا أن كل المؤشرات وجميع التقارير الاستقصائية التي قامت بها صحف ومؤسسات أمريكية معتبرة لاستجلاء الحقائق ورصد ما وراء بعض الوقائع، تشير بأصابع الاتهام إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعددًا كبيرًا من كبار المسئولين في إدارته وعائلته يتربحون من معلومات سرية لها علاقة مباشرة بحركة الأسواق، وخصوصًا خلال الحرب على إيران وقبلها إعلانه عن الرسوم الجمركية؛ إذ تكفي بعض الكلمات التي يغرد بها ترامب على منصته الرقمية أن تجلب لهم مكاسب مليارية لا يمكن تحقيقها بالطرق المشروعة للاستثمار في الأسواق، وهو ما يطرح العديد من علامات الاستفهام حول مفاوضات إنهاء الحرب على إيران التي تراوح مكانها منذ عدة شهور إلا على منصة ترامب التي اتخذت منها مادة لتحريك الأسواق صعودًا وهبوطًا، وما بينهما تسقط المليارات في جيوب المحظوظين والمقربين من رب البيت الأبيض.
ومع تصاعد الجدل والشكوك حول شبهات التلاعب والتربح، اضطرت وزارة العدل الأمريكية وهيئة تداول السلع الآجلة إلى فتح تحقيق في صفقات نفطية مشبوهة تجاوزت قيمتها 2.6 مليار دولار، تم تنفيذها في توقيتات تسبق منشورات ترامب بدقائق؛ حيث دأب على كتابة تغريداته في أوقات محددة قبيل إغلاق الأسواق وافتتاحها، وهو ما يعني وجود احتمال قوي للتلاعب في السوق هبوطًا بإتاحة فرصة شراء، ثم التغريد مرة أخرى لتحقيق صعود وتوفير فرصة بيع ومن ثم تحقيق المكاسب.
ولعل ما كشفت عنه تقارير استقصائية أمريكية يؤكد شبهة التلاعب في الأسواق عبر الدائرة القريبة من ترامب؛ إذ كشفت منصة "بروبابليكا"، وهي مؤسسة صحفية استقصائية غير ربحية ومقرها نيويورك، أن أكثر من 12 مسئولاً في الإدارة الأمريكية قاموا ببيع أسهمهم في شركات متعددة قبيل الإعلان الرسمي لترامب عن التعريفات الجمركية. وعلى الرغم من غياب دليل قانوني قاطع يثبت تعمد ترامب شخصيًا لتسريب هذه البيانات بهدف التربح، إلا أن المحللين والتقارير المنشورة عبر منصات معتبرة مثل وكالة بلومبرج تؤكد واقعة التربح القائم على معلومات سرية. وقد تجلى هذا النمط بوضوح خلال الحرب على إيران ثم مؤخرًا خلال فترة التفاوض مع إيران لوقف الحرب؛ حيث دأب ترامب على تكرار التصريحات المتضاربة التي توحي بقرب التوصل إلى اتفاق مع إيران، مما يؤدي إلى هبوط الأسعار في الأسواق، ثم يتبعها بتصريح يهدد فيه باستئناف الحرب، مما يدفع الأسواق مرة أخرى للارتفاع، وفي كل حركة صعودًا وهبوطًا يجني المتربحون المال بفضل حصولهم على المعلومات السرية. وقد تركز التلاعب واقتناص الصفقات في أسواق الأسهم والسندات والذهب والمعادن والبترول والذكاء الاصطناعي والسلاح.
ووفقًا لوكالة "بلومبرغ"، فإن سوق النفط شهدت تقلبات حادة منذ بدء الحرب على إيران، حيث تم رصد تنفيذ صفقات في توقيت مثالي حققت أرباحًا مليارية للمتداولين؛ إذ كانت التداولات تتم قبل دقائق من منشورات للرئيس ترامب تتضمن معلومات سياسية مهمة.
الحقيقة أن الحرب على إيران لم تكن الحدث الأول الذي كشف خيوط التلاعب في الأسواق رغم عدم وجود أدلة دامغة، إلا أن الأمر تم رصده في قضية الرسوم الجمركية التي تبناها ترامب في العام الماضي وأشعل بها حربًا تجارية كانت بمثابة الزلزال الذي ضرب به الأسواق العالمية، وأشعلت حربًا تجارية شملت كل دول العالم؛ إذ إنه بمجرد الإعلان عن هذه الرسوم، هبطت أسهم "وول ستريت" بمعدلات غير مسبوقة، وحدثت موجة بيع عنيفة نتج عنها خسارة نحو 2.4 تريليون دولار من القيمة السوقية للشركات في أكبر خسارة يومية، وبعدها بأيام قليلة قرر ترامب تعليق معظم الرسوم التي فرضها لمدة ثلاثة أشهر فعادت الأسهم للارتفاع بقوة وقفز المؤشر بأكثر من 9%. وما بين إصدار القرار والإلغاء رصد المراقبون عبر فحص حسابات المتعاملين على الأسهم وهويتهم خيوط التلاعب، ودلل منتقدو ترامب على تورطه في هذه اللعبة أنه قبل ساعات من تعليق الرسوم وبينما كانت الأسهم منهارة في البورصة، كتب ترامب على منصته للتواصل الاجتماعي جملة من 4 كلمات كان لها مفعول السحر في قلب الأسواق قائلاً: "هذا وقت رائع للشراء"، حيث أعقب هذا التصريح موجة ارتفاع للأسهم بأكثر من 22%، وهو ما أثار علامات استفهام كبيرة حتى إن عددًا كبيرًا من المعارضين لترامب اتهموه صراحة بالتلاعب، وطالبوا بفتح تحقيق حول تغريدته التي يدعو فيها لشراء الأسهم وهو يعلم أنه سيصدر قرارًا من شأنه رفع الأسعار.
ولعل ما كشفته صحيفة "فاينانشيال تايمز" قبل أيام يضيف أبعادًا جديدة في شبكة التربح من الحرب والتي يدفع فاتورتها دول المنطقة؛ حيث ذكرت أن سمسارًا يعمل لصالح وزير الدفاع الأمريكي أجرى استثمارًا ضخمًا في شركات دفاعية كبرى في الأسابيع التي سبقت الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران. وبحسب الصحيفة، فقد تواصل وسيط الوزير وهو في بنك "مورجان ستانلي" مع شركة "بلاك روك" في شهر فبراير الماضي بشأن ضخ استثمارات بملايين الدولارات في صندوق المؤشرات المتداول النشط للصناعات الدفاعية التابع لشركة إدارة الأصول. وهذا الصندوق يستحوذ على حصص كبرى في أهم الشركات الدفاعية التي حققت أرباحًا طائلة خلال الحرب على إيران.
الخلاصة:
إن الحرب التي تجرى في منطقتنا وندفع فاتورتها بالكامل من جيوبنا بسبب ما نتج عنها من غلاء ضرب كل الدول؛ هي فعل أمريكي يديرها ترامب بفكر التاجر المستغل الذي لا هدف له سوى تحقيق المال وجني الأرباح، وبالتالي يصبح الحديث عن اتفاق وقف الحرب نوعًا من العبث وتصديقه أكثر عبثية، حتى وإن ارتدى ثوب الجدية.
ربما يتم التوصل إلى اتفاق في مرحلة ما يجد التاجر أن هناك ربحًا أكثر وثروة أضخم مما يجنيه يمكن تحقيقها في اليوم التالي لوقف الحرب، حينها سيتوقف التلاعب لكن ستبدأ لعبة أخرى بل ألاعيب؛ أولها الدخول في شراكات مع إيران لإعادة إعمارها والاستثمار في ثروتها النفطية، وبالمناسبة إيران تطرح هذه الفكرة بقوة في الغرف المغلقة وتدرك تمامًا أن ترامب يسيل لعابه حين يتعلق الأمر بهكذا صفقة، وهي في نفس الوقت تريد الخروج من مأزق الحصار والعقوبات، ومنها أيضًا إعادة تسليح دول المنطقة في وجه إيران التي أبدت عدوانية لا يمكن تجاهل خطورتها في المستقبل بل وستسعى أمريكا لتأجيجها أكثر لمصلحتها، وبالتالي يتحقق للشركات الأمريكية صفقات مليارية ربما تفوق ما يمكن تحقيقه من لعبة الأسواق، وقد بدأت بالفعل عقد مثل هذه الصفقات على غرار الصفقة التي تم إعلانها قبل يومين مع إحدى دول الخليج بقيمة 1.5 مليار دولار لتوريد نظم دفاع ضد المسيرات والبقية تأتي.
.. تلك هي أمريكا ترامب التي تتلاعب وتلعب بمصائر الشعوب من أجل المال، ولا عزاء للدول العربية.
[email protected]