6-6-2026 | 15:06

لا أكتب اليوم لأضيف حجرًا إلى جدار اللوم. لا. فذلك الجدار، بعد ستين عامًا، صار أثرًا من آثارنا الخربة، نقف أمامه في جوقة هزلية، نصفهم يلعن الظلام، ونصفهم يشعل شمعة وهمية، ثم ننصرف جميعًا إلى بيوتنا لنشرب الشاي. أكتب من يقين بسيط، يشبه يقين الفلاح حين يرفع رأسه إلى السحاب فلا يجد مطرًا؛ إن مواجهة أنفسنا بصدق، مهما يكن الصدق موجعًا كلكمة في الصدر، هي الخطوة الأولى. 

فما جرى في الخامس من يونيو ١٩٦٧ كان زلزالًا كشف عن شروخ لم نكن نراها، أو كنا نراها وندير لها ظهورنا، في سياستنا، وفي أخلاقنا، وفي طريقة إدارتنا للحياة، وفي طريقة كذبنا اليومي على أنفسنا.
دعنا نبدأ من تلك الزاوية المعتمة التي لطالما أزعجتني وأنا أتأمل مسيرة هذا التاريخ وهذه الأمة، زاوية "العقل السياسي"، أو ما تبقى منه. 

قامت ثورة يوليو ١٩٥٢ على أحلام ضخمة، رفعت لافتات التحرر والعدالة والوحدة، ولا شك أن جمال عبد الناصر كان زعيما وطنيًا، أحب مصر بصدق، وسعى لاستقلالها وكرامتها باندفاع العاشق. لكن المشكلة، يا سيدي، أن العظمة لا تقاس بصدق النوايا فقط، بل تقاس بالقدرة على تحويل هذه النوايا إلى واقع يعيشه الناس في بيوتهم، عبر مؤسسات لا تصاب بالزكام كلما عطس القائد. ههنا كانت العقدة؛ طغت الزعامة الملهمة، بصوتها الآسر وصورتها الطاغية، على المؤسسة الرشيدة. تحولت العلاقة بين القائد والأمة إلى علاقة مباشرة، حميمية، خطابية، تعبر فوق كل هيئة، وتتجاوز كل نقد. كنا نعيش في نشيد طويل، لا يحتمل سؤالًا. ومن يجرؤ على كلمة تحذير، يتهم فورًا بالجبن، أو التخاذل، أو بالعمالة في أسوأ الأحوال. أي نظام لا يحتمل داخله معارضة شريفة تقول له الحقيقة، هو نظام يسير، مهما بلغ إخلاص قائده، إلى الهاوية وهو يغني. لقد قتلت الحقيقة لا بأوامر مباشرة، بل بمناخ عام جعل من قول الحقيقة خطيئة لا تغتفر.

الآن، أصل إلى تلك النقطة الدامية؛ الجيش. أرفض أي كلام يمس شجاعة الجندي والضابط المصري. هؤلاء الرجال الذين وقفوا في جحيم سيناء، ببدلاتهم القطنية وأسلحتهم التي خانتهم، وواجهوا قدرهم بشجاعة صامتة، هم ضحايا الأزمة لا صناعها. 

لقد سمعت وشهدت وقرأت ما يكفي لأعرف أن مقاتلينا أبلوا بلاء حسنًا كلما وجدوا قيادة تعرف ماذا تفعل، وكلما توافرت لهم ظروف عادلة للقتال.

الإعلام وصناعة الأوهام

تأمل معي، قليلًا، في تلك الإذاعة العجيبة: "صوت العرب". صوت مدوي، أسطوري، يسمعه الملايين من المحيط إلى الخليج، يصدقونه كالأطفال. وماذا فعلت؟ قامت، بسذاجة قاتلة أو سوء نية مدفون، ببناء عالم كامل من الورق، عالم من الانتصارات الوهمية. كان المواطن البسيط، الجالس على قهوة بلدي، يسمع عن مئات الطائرات الإسرائيلية التي أسقطناها، وعن الزحف الظافر إلى تل أبيب، بينما الحقيقة على الأرض كانت عكس ذلك تمامًا، ضربة موجعة، جثث، طائرات محترقة على الأرض قبل أن تطير. هذه جريمة وطنية كاملة الأركان. لقد خدعوا الجماهير، أسكنوها قصورا  من الأوهام، ثم، فجأة، ألقوا بها في بئر اليأس. كيف تطلب من شعب أن يحتمل هزيمة، وهو الذي لم يسمع منك، قبل ساعات، إلا طبول النصر؟ فقدان المصداقية هو أقسى ما نخسره. 

لأن المواطن الذي يكتشف أن حكومته كذبت عليه، يفقد ثقته في كل شيء، في الحكومة، في الوطن، في قيمة الانتماء نفسها. يصير وحيدًا.

وعلى المستوى العربي، كانت المأساة أوضح. كنا نحلم بحلم الوحدة، حلم جميل ونبيل. لكن تبين لنا، بأقسى طريقة، أن بناء الوحدة أصعب من الغناء لها. كشف يونيو ١٩٦٧ أن جيوشنا، رغم ضخامتها العددية وصورها في الجرائد، لم تكن قادرة على حرب حديثة. وكشف أن التنسيق العربي كان شكليًا، حبرًا على ورق، بيانات لا تصمد أمام أول طلقة. في هذا الفراغ الموحش، ظهرت قوى جديدة. منها مشروع، كصعود المقاومة الفلسطينية التي قررت أن تأخذ قضيتها بيدها، وألا تنتظر النصر من عواصم أثبتت فشلها. ومنها خطر، كصعود التيارات المتطرفة التي استغلت الإحباط، وراحت تردد أن سبب الهزيمة هو البعد عن الدين. 

كان هذا تبسيطًا مخلًا، وهروبًا من مواجهة عيوبنا الحقيقية في بنياننا السياسي والاجتماعي والتعليمي، لكنه وجد آذانًا صاغية عند المحبطين الباحثين عن إجابة سريعة وخلاص سهل. دفعنا الثمن، وما زلنا ندفع.

عار التواطؤ

ولا تكتمل الصورة دون أن نقف عند موقف العالم. أثبتت حرب يونيو، بلا أدنى شك، أن السياسة الدولية لا تعرف الأخلاق. رأينا أمريكا تساند إسرائيل بكل ثقلها، ليس حبًا فيها، بل لأنها وجدت فيها أداة لضرب حركة التحرر العربي، ولإذلال نظام تجرأ ورفع راية الاستقلال. ورأينا السوفييت، حلفاءنا، يترددون ويتلكؤون، يبيعوننا السلاح لكنهم لا يمنحوننا الإرادة ولا العلم ولا القدرة. تعلمنا بالدم أن الكرامة الوطنية لا تستورد، لا من موسكو ولا من واشنطن،  تصنع هنا، في بيوتنا، في مدارسنا، في مصانعنا، في محاكم لا تعرف الاستثناء.

الطريق إلى المستقبل

أعود فأقول، رغم كل شيء، إنني أرفض اليأس. هزيمة ١٩٦٧، رغم قسوتها، حملت فرصة للنهوض لو أحسنا استغلال الألم. كشفت لنا الحقيقة عارية، أراحتنا من الأوهام. أثبتت لنا، بالدليل والدم، أن الدولة لا تبنى بالشعارات، ولا بالعواطف الجياشة، ولا بالأمنيات الطيبة وحدها. الدولة تبنى بالعلم، والعمل، والمؤسسات القوية، والحرية المسئولة، وسيادة القانون، والإخلاص للوطن لا للأفراد والتماثيل.

ما نحتاجه الآن هو العقلانية، والجدية، والصدق مع أنفسنا أولًا. الطريق طويل، وشاق، ويبدأ بخطوة واحدة؛ أن نواجه حقيقتنا بشجاعة، وأن نعترف أن النصر لا يتحقق على الجبهة وحدها، لكنه يتحقق أولًا في داخل النفس، في داخل المجتمع، عندما نبني إنسانًا قادرًا على أن يكون حرًا، وعالمًا، ومنتجًا، ومحبًا لوطنه بصدق لا بالشعارات.

هذا هو الدرس الأكبر من مأساة ١٩٦٧. فلنحمله، ولنعمل به، علنا نصنع مستقبلًا يليق بتضحيات شهدائنا، وبأحلام أطفالنا، وبطموحات أمتنا في غد أفضل. إنني أؤمن، رغم كل هذا، أن الغد آت. لكنه، صدقني، لن يأتي إلا إذا صنعناه بأيدينا، بعرقنا، بعقولنا، وبضمائرنا الحية.
فهل نحن فاعلون؟ هذا هو السؤال المؤرق.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة