الرضا عن النفس بوابة النجاح أم طريق الخسائر؟!

6-6-2026 | 13:56

لن يتمتع أي إنسان بالراحة النفسية ما لم يشعر بالرضا عن نفسه..

الرضا عن النفس هو الوقود، بعد الاستعانة بالرحمن بالطبع، لصنع أفضل حياة ممكنة، ولزرع الثقة بالنفس، ولتجديد "العزيمة"، ولتنفس احترام النفس وتقديرها بلا مبالغة بالطبع؛ حتى لا يتحول إلى "كارثة" الغرور، ومصيبة إطفاء النور الداخلي بأيدينا.

الرضا عن النفس يعني تقدير سعيها في الحياة بكل الجوانب، وليس في طلب الرزق فقط، كما قد يتبادر إلى الذهن؛ فيتسع ليشمل أداء العبادات والنجاح في الدراسة والعمل والعلاقة مع الأهل والزملاء وكيفية قضاء الأوقات واختيار الأصحاب ومنح كل منهم المكانة التي "تناسبهم" بلا إفراط ولا تفريط..

مع مراجعة هذه المكانة وفقًا لمواقفهم معنا للخصم أو للإضافة، وأحيانًا الاستبعاد بلا ضجيج أو عتاب؛ عند استنفادهم كل الفرص للتصرف بما "يليق" بالمكانة التي منحناهم إياها.

من أهم أبواب الرضا الذكي عن النفس "مراقبة" مساحات تقربنا بوعي وحب وخشوع للرحمن في القلب والعقل والتصرفات، "وعدم" السماح بتناقصها في أي ظروف؛ فلا نغتر بأنفسنا عند النجاح ونخذل أنفسنا بعدم المسارعة "بالسجود" شكرًا للوهاب، ولا نسمح لليأس بالتسرب إلى عقولنا وقلوبنا عند المحن التي لا تخلو منها أي حياة بالكون؛ بل "نسارع" بالتشبث بيقين وحب وحسن ظن بالرحمن.

من الطبيعي بل "والجيد" والمطلوب أيضًا ألا يرضى عن نفسه طوال الوقت، ومن يحس بالرضا عن نفسه دومًا لا يعرف أنه في أزمة، إن لم "يسارع" بمواجهتها ستُلقي به في خسائر فادحة ولو بعد حين. 

فمن خيانة النفس لدى البعض الرضا عن النفس في كل الحالات؛ وما يتبعه من تبرير للأخطاء وزرع "العناد" في العقول والقلوب مما يمنع مراجعة النفس ويغلق أبواب التحسن؛ فالمؤكد أننا في الحياة أمام اختيارين لا ثالث لهما؛ إما التقدم أو التأخر، ومن يتجاهل ذلك يظلم نفسه ويفسح المجال للخسائر بأنواعها، فقليل من عدم الرضا مطلوب لنصبح أفضل في الدارين أليس كذلك؟

ومن الأذى للنفس "حرمانها" من الرضا بدعوى أننا لسنا كما نريد "تمامًا" وهذا من منافذ إبليس اللعين؛ فالرضا الذكي "يرطب" الحياة ويربت علينا "ويطمئننا" بأننا بخير..

والرفق بالنفس مطلوب دينيًا ودنيويًا أيضًا؛ ففي الأولى "ينبهنا" إلى النعم التي رزقنا بها الرحمن "فنبتسم" من قلوبنا ونشكر الوهاب عليها "فنفوز" بثواب الشاكرين وهو نعمة عظيمة، وفي الثانية نصبح أهدأ نفسيًا مما يرشحنا لصحة أفضل ونجاحات أوسع في كل جوانب الحياة والعكس صحيح.

يمنح البعض أنفسهم "أقل" قدر من الرضا؛ حتى لا يتراجعون ويسارعون إلى جلد أنفسهم لفعل الأفضل؛ "والأذكى" التمتع بقدر جيد من الرضا عن النفس مع تذكير النفس بمواصلة التقدم، ولا يكون الشعور بالرضا مؤقتًا بعد أي إنجاز أو فعل خير وكأنه قرص فوار ينتهي سريعًا، فالأفضل منح الرضا "إقامة" في أعمارنا ونسعى "لاستحقاق" زيادته بتدرج ولطف مع النفس ومنع التراجع بحزم أيضًا.

يربط الكثيرون الرضا عن النفس بتحقيق الإنجازات "كلها" وهذا ظلم فادح للنفس فلا أحد يحقق كل ما يريده خاصة مع القوائم "الطويلة" والتي تخاصم الواقع، ولا نطالب بتخفيض سقف الأحلام بالطبع..

ولكن نتمنى بعضًا من الواقعية "والرفق" بالنفس؛ فهما ضروريان ليس للنجاح فقط، ولكن لحماية النفس صحيًا ونفسيًا من "أخطار" مطالبة النفس بالحد الأقصى وعدم الرضا عن النفس ومواصلة الضغوط عليها ليلاً ونهارًا؛ مما يؤدي إلى تناقص القدرات على الإنجاز وزيادة عدم الرضا عن النفس والإحباط.

وقد يصل إلى كراهية النفس والتقليل من شأنها ويدخل الإنسان في دوائر "لعينة" من الإنهاك المتواصل، الذي يفتح الأبواب والنوافذ للخسائر الصحية والنفسية والاجتماعية؛ "فلن" يستمتع المنهك بعلاقات جيدة فضلًا عن الخسائر المادية وفي العمل أو الدراسة.

وما كان أغناه عن ذلك لو "سمح" لنفسه بقدر جيد من الرضا عن النفس ليس بما حققه فقط من إنجازات؛ ولكن لأنه "لا يزال" راغبًا في فعل الأحسن ولم يوهم نفسه بأنه رائع بما يكفي "ولا" يحتاج للمزيد؛ ومن يظلم نفسه بذلك الوهم يتراجع دون أن يدري كمن يترك نفسه بلا مقاومة عند الوقوف على منحدر فسيجد نفسه أسفل بعد حين.

الرضا لا يعني القبول بالأخطاء مما يزيدها ويزرعها، ولكنه يعترف بالخطأ برفق ويتعهد بعدم التكرار ولا يخنق النفس.

نود مراقبة منسوب الرضا عن النفس ومتى يرتفع ومتى ينخفض؛ فمن المهم ألا يرتفع "كثيرًا" بعد الحصول على إعجاب الناس؛ حتى لا نصبح "عبيدًا" لهم ونفعل ما يرضيهم عنا للحصول على إعجابهم، ونفقد البوصلة "الذكية" للرضا عن النفس، وتتلخص في فعل ما يرضي الرحمن ثم ما يقربنا من أحلامنا ومبادئنا ويحقق أولوياتنا ومنع النفس عن تقديم التنازلات بأنواعها..

والأسوأ تبريرها بالواقعية ولا أحد يتناول السموم لانتشارها فالرضا الذكي على النفس يجب أن يقترن بتذكر قصر الحياة مهما طالت، وعدم فعل ما يحزننا تذكره وما يحرمنا من الفوز بالآخرة السعيدة.

تأجيل الرضا عن النفس حتى فعل الأفضل خطأ شائع فالرضا؛ مثل الفيتامينات والمقويات لابد من تناولها يوميًا مع تجنب المبالغة لمنع الخسائر.

كلمات البحث
اقرأ أيضًا:
الأكثر قراءة