6-6-2026 | 13:28

لأن سفك الدم السلطاني كان يُعدّ أمرًا لا يليق بمقام الأمراء، لم يكن القتل يتم بالسيف أو الطعن…

بل بالخنق.

ولأن الضحية أحد أبناء القصر، كان الحبل يُنسج من الحرير.

قد يبدو الأمر أقرب إلى مشهد عبثي في رواية مظلمة… لكن هذا كان واقعًا عرفته الدولة العثمانية لقرون.

ففي القرن الخامس عشر، نُسب إلى السلطان العثماني محمد الفاتح قانون شهير جاء فيه ما معناه:

“من يتولى السلطنة من أبنائي، فله أن يقتل إخوته حفاظًا على نظام العالم.”، ومنذ ذلك الوقت، تحوّل قتل الإخوة داخل القصر إلى ما يشبه الطقس السياسي المعتاد.

شباب لم يحملوا سلاحًا يومًا،
و أمراء صغار،
بل وحتى أطفال رُضّع…

كان ذنبهم الوحيد أن أحد إخوتهم جلس على العرش.

وعندما تولى السلطان محمد الثالث الحكم عام 1595، أمر بقتل تسعة عشر أخًا - أشقاء وغير أشقاء - دفعة واحدة.

كان بعضهم أطفالًا لم يبلغوا سنًا تسمح لهم بفهم ما يحدث، ولا سبب البكاء الذي ملأ أروقة القصر تلك الليلة. رأوا الدموع في عيون المربيات، والوجوه الشاحبة، والهمسات المرتجفة في الممرات، لكنهم لم يدركوا أن تلك النظرات كانت وداعًا أخيرًا.

وكان تبرير السلطة لتلك البشاعات حاضرًا دائمًا: منع الفتن، وتجنب الحروب الأهلية، وحماية استقرار الدولة.

وربما لم يكن هذا التبرير خاليًا تمامًا من الحقيقة؛ فقد عرفت الدولة العثمانية صراعات دامية على الحكم في مراحل مبكرة من تاريخها، ودُفعت أثمان باهظة في حروب الخلافة والنزاع على العرش. 

لكن السلطة تملك منطقًا خاصًا بها. فهي لا تخشى الخطر القائم فقط، بل تخشى كل ما قد يصبح خطرًا يومًا ما. ومع اتساع السلطة، يتسع معها تعريف العدو. في البداية يُقتل المتمرد، ثم يُراقب المشكوك فيه، ثم يأتي يوم يصبح فيه مجرد الاحتمال تهمة كافية.

وهكذا،
لم يعد الأمير يُقتل لأنه تمرّد فعلًا…
بل لأنه قد يتمرّد يومًا ما.

ويا لها من مفارقة قاسية… ذلك الحنان البارد الذي حاول تخفيف وحشية القتل بحبلٍ من حرير، وكأن نعومة الأداة قادرة بطريقة ما على تخفيف بشاعة الفعل نفسه. 

وربما هنا تبدأ السلطة في كشف أكثر وجوه الإنسان ظلمة.

فبعض البشر، حين يخافون على العرش،
يرون أيَّ مهددٍ له خطرًا يجب التخلص منه ..

وربما لم يعد البشر يُقتلون اليوم بحبال حريرية…

بل بقرارات رسمية،
وتقارير أمنية، 
وتبرير منع الفوضى،
وإنقاذ الوطن،
وحماية الاستقرار.

الحرير أصبح قرارًا مكتوبًا،
والغرفة المغلقة أصبحت قاعة محكمة،
والجلاد أصبح موظفًا يؤدي واجبه

لكن اللحظة التي يصبح فيها الإنسان خطراً محتملاً
لا جريمة حقيقية،
تلك اللحظة لم تتغير.

في كل زمان، وفي كل مكان،
حين يخاف العرش…
ينسج حبله بما هو متاح.

(مقتبس من كتاب قادم للمؤلف بعنوان: العالم الذي لا نفهمه… رحلة في الأفكار التي نعيش معها كل يوم دون أن نتوقف طويلًا لنتأملها).

كلمات البحث
اقرأ أيضًا: