منذ تولي السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي قيادة الدولة المصرية، لم يكن التحدي مجرد إدارة أزمة اقتصادية عابرة، بل إعادة تأسيس دولة واجهت لعقود طويلة ضغوط الزيادة السكانية، وتآكل الرقعة الزراعية، وتراجع البنية الأساسية، وارتفاع فاتورة الاستيراد، في منطقة تموج بالاضطرابات والصراعات. ومن هنا، اتجهت الدولة إلى بناء مشروع وطني شامل يقوم على حماية الأمن القومي عبر الغذاء والمياه والطاقة والتنمية.
وفي قلب هذه الرؤية، برز ملف القمح باعتباره قضية سيادة وطنية، لا مجرد محصول زراعي. لذلك حرص الرئيس السيسي على إطلاق مواسم الحصاد من قلب مشروعات الاستصلاح الكبرى، من توشكى وشرق العوينات إلى الدلتا الجديدة ومشروع «مستقبل مصر»، في رسالة واضحة بأن امتلاك الغذاء جزء أساسي من استقلال القرار الوطني. وخلال سنوات قليلة، ارتفعت المساحة المنزرعة بالقمح إلى نحو 3.7 مليون فدان، مع توسع غير مسبوق في استصلاح الأراضي واستخدام نظم الري الحديثة والتقاوي عالية الإنتاجية.
ولم يكن هذا التوسع الزراعي منفصلاً عن معركة الدولة في ترشيد المياه ومواجهة الهدر، عبر تبطين الترع، وإنشاء محطات المعالجة العملاقة، والتوسع في نظم الري الذكي، إدراكاً لخطورة التحديات المائية التي تواجهها مصر. كما تحولت الصحراء، لأول مرة بهذا الحجم، إلى مساحة للإنتاج والعمران، من خلال مشروع الدلتا الجديدة الذي أعاد رسم الخريطة الزراعية والتنموية للدولة.
وفي الوقت ذاته، شهدت مصر طفرة هائلة في البنية الأساسية؛ طرق ومحاور وكهرباء وموانئ ومدن جديدة، باعتبارها القاعدة التي يقوم عليها أي اقتصاد حديث. ورغم ما أثير حول ملف الديون، فإن الدولة وجّهت الجزء الأكبر من الإنفاق لبناء أصول استراتيجية منتجة، رفعت من قيمة الدولة الاقتصادية وقدرتها على جذب الاستثمار.
ولم تقتصر الجمهورية الجديدة على المشروعات الكبرى، بل امتدت إلى حياة المواطن اليومية، عبر تطوير العشوائيات، والإسكان الاجتماعي، والمستشفيات، والتأمين الصحي، ومبادرة «حياة كريمة» التي أعادت الاعتبار للريف المصري.
لقد تحمل المصريون كلفة الإصلاح والبناء، لكن الدولة راهنت على المستقبل، وعلى تأسيس وطن أكثر قدرة على الحياة والاستقرار. واليوم، تبدو سنابل القمح الممتدة في الصحراء، والطرق العابرة للمدن، والمشروعات التي خرجت من قلب الرمال، شاهداً على مرحلة اختارت فيها مصر أن تواجه التحديات بالعمل، وأن تبني جمهوريتها الجديدة على أساس الإنتاج والتنمية والقدرة على البقاء.