فى خضم الحروب والصراعات التى تتصدر العناوين، تراجعت قضية التغير المناخى إلى الصفوف الخلفية، كأن العالم قرر تأجيل مواجهة الخطر الأكبر الذى يهدد مستقبله، غير أن الطبيعة لا تنتظر الحسابات السياسية، ولا تتوقف عند أولويات النظام العالمى المتغيرة.
فبينما ينشغل البشر بصراعاتهم، تواصل الأرض إرسال إشارات إنذار متزايدة الخطورة، كان أحدثها ما يمكن وصفه حرفياً بأن المحيطات باتت تغلي.
المحيطات التى أدت لعقود دور «منظم حرارة» الكوكب عبر امتصاص جانب كبير من الحرارة الناتجة عن الانبعاثات الكربونية، بدأت تصل إلى حدود قدرتها على الاحتمال. فقد سجلت درجات حرارة المحيط الهادئ خلال الأشهر الماضية مستويات قياسية جديدة، فى مؤشر خطير على أن النظام المناخى العالمى يدخل مرحلة أكثر اضطرابا وتعقيدا.
فإذا كانت المحيطات تمتص اليوم الجزء الأكبر من فائض الحرارة، فإن استمرار هذا الوضع قد يحولها من عنصر توازن إلى عامل إضافى يسرّع الاحترار العالمي.
المشكلة لا تتوقف عند الجانب البيئي، فارتفاع حرارة البحار ينعكس مباشرة على الأمن الغذائى العالمى، والثروة السمكية، وحركة التجارة الدولية، كما يزيد من قوة الأعاصير والعواصف وشدة الفيضانات وموجات الجفاف.
وما شهدته مناطق مختلفة من الشرق الأوسط خلال السنوات الأخيرة من سيول مفاجئة وأمطار غير معتادة، إلى جانب موجات حر قياسية، ليس بعيدا عن هذه التحولات المناخية المتسارعة.
كما أن ذوبان الجليد فى المناطق القطبية يضيف بعداً آخر للأزمة، فارتفاع مستوى البحار يهدد المدن الساحلية حول العالم، بينما يؤدى انحسار الغطاء الجليدى إلى تقليل قدرة الأرض على عكس أشعة الشمس، ما يخلق حلقة مفرغة تزيد من سخونة الكوكب عاماً بعد آخر.
المفارقة أن هذه التحذيرات تأتى فى وقت تراجع فيه الزخم السياسى الذى شهدته قضية المناخ منذ توقيع اتفاق باريس عام 2015، فالتوصيات العملية التى خرجت بها مؤتمرات المناخ الأخيرة، من دعم التحول إلى الطاقة النظيفة وتمويل جهود التكيف فى الدول النامية وتعويض الخسائر والأضرار، لم تحظَ بالاهتمام الكافى وسط تصاعد الأزمات الجيوسياسية.
والأخطر أن بعض القوى الكبرى ما زالت تتعامل مع الملف المناخى باعتباره قضية مؤجلة أو ثانوية. فالانسحاب الأمريكى المتكرر من اتفاقية باريس عكس رؤية قصيرة المدى، كأن تداعيات التغير المناخى ستتوقف عند حدود الدول الأخرى! لكن الحقيقة أن الأعاصير والحرائق والجفاف وارتفاع البحار لا تعترف بالحدود السياسية.
إن العالم كله فى قارب واحد، ودول الشرق الأوسط ليست استثناءً، فالجميع داخل دائرة المخاطر، لذلك لم يعد التغير المناخى قضية بيئية يناقشها العلماء والخبراء، بل أصبح تحدياً وجودياً يمس الأمن والاستقرار والاقتصاد والتنمية.
وما لم يتحرك المجتمع الدولى بصورة عاجلة وجادة، فقد نستيقظ قريباً على واقع تصبح فيه التحذيرات الحالية مجرد وصف متأخر لكارثة كان يمكن تجنبها.